وروى البخاري عن أنس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « أتيت على موسى ليلة المعراج عند الكثيب الأحمر ، وهو قائم يصلي في قبره » « 1 » .
وصح في حديث المعراج أيضا أنه رآه في السماء السادسة ، فلعل رؤيته كانت في قبره قبل صعوده إلى السماء ، ثم صعد إليها فوجده هناك قد سبقه لما يريده اللّه ، وهذا وجه الجمع بين هذين الحديثين ، على ما ذكره الخازن . واختلف في الضمير في قوله :
وَجَعَلْناهُ
فقيل راجع إلى الكتاب أي جعلنا التوراة
هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ
قاله الحسن وغيره ، وقال قتادة إنه راجع إلى موسى ، أي وجعلنا موسى هدى لبني إسرائيل .
وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً
أي قادة يقتدون بهم في دينهم وهم الأنبياء الذين كانوا في بني إسرائيل ، وقيل هم أتباع الأنبياء ، وقيل العلماء قاله قتادة وقرىء أأمة .
قال النحاس : وهو لحن عند جميع النحويين ، لأنه جمع بين همزتين في كلمة واحدة
يَهْدُونَ
أي يدعونهم إلى الهداية بما يلقونه إليهم من أحكام التوراة ومواعظها
بِأَمْرِنا
لهم بذلك أو لأجل أمرنا .
لَمَّا صَبَرُوا
أي حين صبروا والضمير للأئمة ، وفي
لَمَّا
معنى الجزاء ، والتقدير لما صبروا جعلناهم أئمة ، أي لصبرهم ، وهذا الصبر هو صبرهم على مشاق التكليف والهادية للناس ، وقيل صبروا عن الدنيا ، وفي دليل على أن الصبر ثمرته إمامة الناس .
وَكانُوا بِآياتِنا
التنزيلية التي في تضاعيف الكتاب
يُوقِنُونَ
أي يصدقون بها ، ويعلمون أنها حق ، وأنها من عند اللّه ، لمزيد تفكرهم ، وكثرة تدبرهم .
[ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 25 إلى 30 ]
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 25 ) أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ ( 26 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ ( 27 ) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 28 ) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 29 )
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ( 30 )
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
أي يقضي بينهم ، ويحكم بين المؤمنين والكفار . وقيل يقضي بين الأنبياء وأممهم ، حكاه النقاش
فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
فيظهر المحق من المبطل .
أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ
أي أو لم يتبين لأهل مكة ؟ والهمزة للإنكار ، والواو للعطف
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الفضائل حديث 164 ، والنسائي في قيام الليل باب 15 ، وأحمد في المسند 3 / 148 ، 248 .