الحقيقي . وقيل : المأوى جنة من الجنات تأوي إليها أرواح الشهداء ، وقيل : هي عن يمين العرش ، وقد تقدم الكلام على هذا .
نُزُلًا
أي : إنها معدة لهم عند نزولهم ، وهو في الأصل ما يعد للنازل من الطعام والشراب ، إكراما له كما بيناه في آل عمران ، وقرىء نزلا بسكون الزاي
بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
أي بسبب ما كانوا يعملونه ، وليس المراد السبب الحقيقي ، حتى يخالف حديث « لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله » « 1 » . بل ما يفضي إلى الجنة بمقتضى وعد اللّه تعالى
ثم ذكر الفريق الآخر فقال :
وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا
أي خرجوا عن طاعة اللّه ؛ وتمردوا عليه وعلى رسله بالكفر والتكذيب ، واعلم أن العمل الصالح له مع الإيمان تأثير ، فلذلك قال :
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
، وأما الكفر فلا التفات إلى الأعمال معه ، فلهذا لم يقل وعملوا السيئات ، لأن المراد من قوله فسقوا كفروا ، ولو جعل العقاب في مقابلة الكفر والعمل ؛ لظنّ أن مجرد الكفر لا عقاب عليه
فَمَأْواهُمُ النَّارُ
أي منزلهم الذي يصيرون إليه ، ويستقرون فيه هو النار .
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها
أي إذا أرادوا الخروج منها أعيدوا إليها راغمين مكرهين ، وقيل إذا دفعهم اللهب إلى أعلاها ردّوا إلى مواضعهم ، وكلمة « في » للدلالة على أنهم مستقرون فيها ، وإنما الإعادة من بعض طبقاتها إلى بعض .
وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
والقائل لهم هذه المقالة هم خزنة جهنم من الملائكة أو القائل لهم هو اللّه عز وجل وفي هذا القول لهم حال كونهم قد صاروا في النار من الاغاظة لهم ما لا يخفى وهذا دليل على أن المراد بالفاسق الكافر إذ التكذيب يقابل الإيمان .
[ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 21 إلى 24 ]
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 21 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ( 22 ) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ ( 23 ) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ( 24 )
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى
وهو عذاب الدنيا ، قال الحسن ، وأبو العالية ، والضحاك ، والنخعي : هو مصائب الدنيا وأسقامها ، وقيل : الحدود ، وقيل : القتل
هامش
( 1 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في الرقاق باب 18 ، والمرضى باب 19 ، ومسلم في المنافقين حديث 72 ، 75 ، 77 ، 78 ، وأحمد في المسند 2 / 256 ، 264 ، 326 ، 386 ، 390 ، 469 ، 473 ، 509 ، 524 ، 6 / 125 ، 273 .