تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة ، وهي معروفة فلا نطول بذكرها ، وقيل أخفوا أعمالهم فأخفى اللّه ثوابهم ، وفيه دليل على أن المراد الصلاة في جوف الليل ، ليكون الجزاء وفاقا ، ثم بين سبحانه أن ذلك بسبب أعمالهم الصالحة ، فقال :
جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
أي لأجل الجزاء بما كانوا يعملونه في الدنيا من الطاعات أو جوزوا جزاء بذلك .

[ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 18 إلى 20 ]

أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ( 18 ) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 19 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 20 )
أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً
الاستفهام للانكار أي ليس المؤمن كالفاسق . فقد ظهر ما بينهما من التفاوت والتباين ، ولهذا قال :
لا يَسْتَوُونَ
ففيه زيادة تصريح لما أفاده الانكار الذي أفاده الاستفهام على أبلغ وجه وآكده ليبني عليه التفصيل الآتي ، قال الزجاج جعل الاثنين جماعة حيث قال لا يستوون ، لأجل معنى « من » وقيل لكون الاثنين أقل الجمع . وقيل أراد الجنس منهما ، ولم يرد مؤمنا واحدا ، ولا فاسقا واحدا ، وهذا أولى ، فإن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . وفي السمين أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان يتعمد الوقف على فاسقا ، ويبتدئ بقوله :
لا يَسْتَوُونَ
. أي في المآل ، والمستقر ، أو في الشرف والمثوبة ، والضمير فيه لمن الواقعة على الفريقين ، وفيه مراعاة معناها بعد مراعاة لفظها ، والمراد بالفسق الكامل بقرينة المقابلة للمؤمنين ، وإلا فالمؤمن قد يكون فاسقا ، ونظيره :
أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ
[ القلم : 35 ] وقوله :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ
[ الجاثية : 21 ] الآية ، إذ ليس كل مجرم ومسيء كافرا . وعن ابن عباس قال : قال الوليد بن عتبة لعلي بن أبي طالب : أنا أحدّ منك سنانا ، وأشجع جنانا ، وأبسط منك لسانا ، وأملأ حشوا للكتيبة منك فقال له علي : اسكت فإنما أنت فاسق ، فنزلت هذه الآية ، يعني بالمؤمن عليا ، وبالفاسق الوليد وروي نحو هذا عن عطاء بن يسار ، والسدي ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، ثم بين سبحانه عاقبة حال الطائفتين وبدأ بالمؤمنين فقال :
أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى
قرىء بالجمع وبالإفراد ، والمأوى هو الذي يأوون إليه ، وأضاف الجنات إليه لكونه المأوى
هامش
- 98 ، 105 ، وأحمد في المسند 2 / 313 ، 370 ، 407 ، 416 ، 438 ، 462 ، 466 ، 495 ، 506 ، 5 / 334 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 327 | صديق الحسيني القنوجي البخاري