تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
لقصد التأكيد لما قبلها من النهي عن الشرك باللّه وتفسير التوصية هو قوله : أن اشكر لي والوالديك وما بينهما اعتراض بين المفسر والمفسر ، وفي جعل الشكر لهما مقترنا بالشكر للّه دلالة على أن حقهما من أعظم الحقوق على الولد وأكبرها وأشدها وجوبا .
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ
قرىء بسكون الهاء وبفتحها في الموضعين ، وهما لغتان ، أي : أنها حملته في بطنها ، وهي تزداد كل يوم ضعف على ضعف فإنها لا يزال يتضاعف ضعفها ، والوهن الضعف والمشقة ، وقد وهن من باب وعد ، ووهنه غيره توهينا ، والوهن والموهن نحو من نصف الليل . وقال ابن عباس : شدة بعد شدة ، وخلقا بعد خلق ، وقيل : المعنى أن المرأة ضعيفة الخلقة ، ثم يضعفها الحمل ، وقيل : أي حملته بضعف على ضعف : وقال الزجاج المعنى لزمها بحملها إياه أن تضعف مرة بعد مرة : أي : وهنا كائنا على وهن ، لأن الحمل وهن ، والطلق وهن ، والوضع وهن ، والرضاعة وهن ، وانتصاب وهنا على المصدر أو الحال .
وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ
الفصال : الفطام عن الرضاع ، وهو أن يفصل الولد عن الأم ، وقرىء وفصله وهما لغتان ، يقال : انفصل عن كذا أي : تميز ، وبه سمي الفصيل ، والمعنى : فطامه بتمام سنتين عن الرضاع ، قال البيضاوي : وفيه دليل على أن مدة الإرضاع حولان .
أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ
أي : وصيناه بشكرنا وشكر والديه ، قال سفيان ابن عيينة : من صلى الصلوات الخمس فقد شكر اللّه ؛ ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات الخمس فقد شكر للوالدين . و ( أن ) مفسرة أو مصدرية ، وهو قول الزجاج
إِلَيَّ الْمَصِيرُ
تعليل لوجوب امتثال الأمر ، أي الرجوع إليّ لا إلى غيري ، وقيل : الجزاء عليّ وقت المصير إليّ .
وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
أي : ما لا علم لك بشركته ، وذكر هذا القيد موافقة للواقع ، ولا مفهوم ( مخالفته ) له ، إذ ليس للّه شريك يعلم لأنه مستحيل
فَلا تُطِعْهُما
في ذلك لأنه لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق ، وجملة هذا الباب أن طاعة الأبوين لا تراعى في ركوب كبيرة ، ولا ترك فريضة على الأعيان ؛ وتلزم طاعتهما في المباحات ، وقد قدمنا تفسير الآية ، وسبب نزولها في سورة العنكبوت ، قال سعد بن أبي وقاص : نزلت فيّ هذه الآية ، وعن أبي هريرة مثله ، وعليه جماعة من المفسرين .
وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا
أي : في أمورها التي لا تتعلق بالدين ، ما دمت حيا صحابا
مَعْرُوفاً
ببرهما إن كانا على دين يقران عليه وقيل : صاحبهما بمعروف وهو البر والصلة ، والعشرة الجميلة ، والخلق الجميل ، والحلم والاحتمال ، وما يقتضيه مكارم الأخلاق ، ومعالي الشيم .