العربي : يجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته ، إذ ليس شيء منها عليه حراما لا من ظاهرها ولا من باطنها ، فكيف يمنع من التلذذ بصوتها ؟
وقال في نيل الأوطار بعد ذكر الاختلاف فيه مع الأدلة : لا يخفى على الناظر أن محل النزاع إذا خرج عن دائرة الحرام ، لم يخرج عن دائرة الاشتباه والمؤمنون وقافون عند الشبهات ، كما صرح به الحديث الصحيح ، ومن تركها فقد استبرأ لعرضه ودينه ، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، ولا سيما إذا كان مشتملا على ذكر القدود ، والخدود ، والجمال ، والدلال ، والهجر ، والوصال ومعاقرة العقار ، وخلع العذار ، والوقار ، فإن سامع ما كان كذلك لا يخلو عن بلية ، وإن من التصلب في ذات اللّه على حدّ يقصر عنه الوصف ، وكم لهذه الوسيلة الشيطانية من قتيل دمه مطلول ، وأسير بهموم غرامه وهيامه مكبول ، نسأل اللّه السداد والثبات .
قلت : وقد جمع الشوكاني رسالة مشتملة على أقوال أهل العلم في الغناء ، وما استدل المحللون له والمحرمون له ، وحقق هذا المقام بما لا يحتاج من نظر فيها ، وتدبر معانيها ، إلى النظر في غيرها ، وسماها إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع .
ولنا أيضا بحمد اللّه عزّ وجلّ جواب بسيط في جواز الغناء ، وعدم جوازه بالفارسية ، ذكرناه في كتابنا هداية السائل ، فمن أحب تحقيق المقام كما ينبغي فليرجع إلى ذلك .
بِغَيْرِ عِلْمٍ
أي حال كونه غير عالم بحال ما يشتريه ، أو بحال ما ينفع من التجارة وما يضر ، فلهذا استبدل بالخير ما هو شر محض ، أو يفعله عن جهل ، أو جهلا منه بما عليه من الوزر ، ونحوه قوله تعالى :
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
[ البقرة : 16 ] أي : لصواب التجارة .
وَيَتَّخِذَها
قرأ حمزة والكسائي والأعمش بالنصب ، عطفا على يضل ، والضمير المنصوب راجع إلى السبيل ؛ فيكون المعنى على هذه القراءة من جملة التعليل للتحريم ؛ والمعنى : أنه يشتري لهو الحديث للإضلال عن سبيل اللّه ، واتخاذ السبيل
هُزُواً
أي : مهزوا به . والسبيل يذكر ويؤنث . وقرأ الجمهور بالرفع عطفا على
يَشْتَرِي
، فهو من جملة الصلة ؛ وقيل : الرفع على الاستئناف ، والضمير المنصوب يعود إلى الآيات المتقدم ذكرها ، والأول أولى
أُولئِكَ
إشارة إلى
مِنَ
والجمع باعتبار معناها ، كما أن الإفراد في الفعلين باعتبار لفظها كما تقدم
لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ
هو الشديد الذي يصير به من وقع عليه مهينا .
[ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 7 إلى 11 ]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 7 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ( 8 ) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 9 ) خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 10 ) هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 11 )