والخضرة ، مع كونكم أولاد رجل واحد ، وأم واحدة ، يجمعكم نوع واحد وهو الإنسانية ، وفصل واحد وهو الناطقية ، حتى صرتم متميزين في ذات بينكم ، لا يلتبس هذا بهذا ، بل في كل فرد من أفرادكم ما يميزه عن غيره من الأفراد ، حتى أن التوأمين مع توافق موادهما وأسبابهما ، والأمور الملاقية لهما في التخليق ، يختلفان في شيء من ذلك لا محالة ، وإن كانا في غاية التشابه ، وفي هذا من بديع القدرة ما لا يعقله إلا العالمون ، ولا يفهمه إلا المتفكرون ولو اتفقت الأصوات ، والصور ، وتشاكلت ، وكانت ضربا واحدا لوقع التجاهل والالتباس ، ولتعطلت مصالح كثيرة ، ولم يعرف العدو من الصديق ، ولا القريب من البعيد ؛ فسبحان من خلق الخلق على ما أراد ، وكيف أراد ، وإنما نظم هذا في سلك الآيات الآفاقية من خلق السماوات والأرض ، مع كونه من الآيات الأنفسية الحقيقة بالانتظام ، في سلك ما سبق من خلق أنفسهم وأزواجهم ؛ للإيذان باستقلاله ، والاحتراز عن توهم كونه من تتمات خلقهم .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ
لدلالات على قدرته تعالى
لِلْعالِمِينَ
لعموم العلم فيهم ، قرىء بكسر اللام وبفتحها وهما سبعيتان . وقال الفراء للكسرة وجه جيد لأنه قد قال :
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
[ البقرة : 164 ] ،
لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ
[ آل عمران :
190 ] ،
وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
[ العنكبوت : 43 ] .
[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 23 إلى 26 ]
وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ( 23 ) وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 24 ) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ( 25 ) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ( 26 )
وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ
قيل : في الكلام تقديم وتأخير والتقدير : ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار ، وقيل : المعنى الصحيح من دون تقديم وتأخير ، أي ومن آياته العظيمة أنكم تنامون بالليل وتنامون بالنهار في بعض الأحوال للاستراحة ، كوقت القيلولة ، والنوم بالنهار مما كانت العرب تعده نعمة من اللّه ، ولا سيما في البلاد الحارة ، وابتغاؤكم من فضله فيهما . فإن كل واحد منهما يقع فيه ذلك ، وإن كان ابتغاء الفضل في النهار أكثر ، والأول هو المناسب لسائر الآيات الواردة في هذا المعنى ، والآخر هو المناسب للنظم القرآني ههنا ، ووجه ذكر النوم والابتغاء ههنا وجعلهما من جملة الأدلة على البعث أن النوم شبيه بالموت ، والتصرف في الحاجات والسعي في المكاسب شبيه بالحياة بعد الموت .