وقدرته ، والأول أولى ، لأن المقصود بالذات من خلقهما إفاضة الخير والدلالة على ذاته وصفاته ، كما أشار له بقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ
أي لدلالة عظيمة وعلامة ظاهرة على قدرته ؛ وتفرده بالإلهية وخص المؤمنين لأنهم الذين ينتفعون بذلك بخلاف الكافرين ، أي :
فإن لم يؤمنوا فلا يضر ذلك في يقينكم وإيمانكم .
اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ
أي القرآن وفيه الأمر بالتلاوة للقرآن ، والمحافظة على قراءته تقربا إليه مع التدبر لآياته ، والتفكر في معانيه من الأوامر والنواهي .
وَأَقِمِ الصَّلاةَ
أي دم على إقامتها وجملة
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
تعليل لما قبلها ، كأنه قيل : صل بهم إن الصلاة الخ والفحشاء ما قبح من العمل ، كالزنا مثلا ؛ والمنكر ما لا يعرف في الشريعة أي تمنعه عن معاصي اللّه ، وتبعده منها ، ومعنى نهيها عن ذلك أن فعلها يكون سببا للانهاء عنهم ، والمراد هنا الصلوات المفروضة المكتوبة ، المؤداة بالجماعة قال ابن عباس وابن مسعود : في الصلاة منتهى ومزدجر عن المعاصي .
أخرج ابن مردويه ، وابن أبي حاتم عن عمران بن حصين قال : سئل النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن قول اللّه هذا فقال : « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له » .
وأخرج الطبراني ، وغيره عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من اللّه إلا بعدا » .
وعن الحسن قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له » . أخرجه عبد بن حميد ، وابن جرير ، والبيهقي ، وأخرج الخطيب عن ابن عمر مرفوعا نحوه . وأخرجه عبد بن حميد ، وغيره عن ابن مسعود ، مرفوعا نحوه . قال السيوطي : وسنده ضعيف قال ابن كثير في تفسيره : والأصح في هذا كله الموقوفات عن ابن مسعود ، وابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، والأعمش ، وغيرهم .
وقيل : من داوم على الصلاة جره ذلك إلى ترك المعاصي والسيئات كما روي عن أنس قال : كان فتى من الأنصار يصلي الصلوات مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم لم يدع من الفواحش شيئا إلا ركبه فذكر ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : إن صلاته ستنهاه يوما ، فلم يلبث أن تاب وحسنت حاله » .
وقيل : معنى الآية أنه ما دام في صلاته فإنها تنهاه عن الفحشاء والمنكر ، ومنه قوله : إن في الصلاة لشغلا ، وقيل : تنهى عنهما مطلقا في سائر الأوقات لأن الصلاة تشغل جميع بدن المصلي ، فإذا دخل في المحراب خشع ، وأخبت لربه ، وتذكر أنه واقف بين يدي مولاه ، وأنه تعالى مطلع عليه ، وأنه يراه فصلحت لذلك نفسه ،