تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
وتذللت ، وخامرها ارتقاب اللّه تعالى ، وظهرت على جوارحه هيئتها ، ولو بعد خروجه منها ، ولم يكد يفتر عن ذلك حتى تظله صلاة أخرى ، يرجع بها إلى أفضل حاله ، فهذا معنى هذه الآية ، لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون . لا سيما وإن أشعر نفسه أن هذا ربما يكون آخر عمله ، فهو أبلغ في المقصود ، وأتم في المراد ، فإن الموت ليس له سن محدود ، ولا زمن مخصوص ، ولا مرد معلوم ، وهذا مما لا خلاف فيه . روي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر لونه ، فكلم في ذلك فقال : إني واقف بين يدي اللّه ، وحق لي هذا مع ملوك الدنيا ، فكيف مع ملك الملوك ، فهذه صلاة تنهى ولا بد عن الفحشاء والمنكر ، ومن صلاته قاصرة على الإجزاء ، أي إسقاط الطلب عن المكلف ، ولا خشوع فيها ، ولا تذكر ، ولا فضائل كصلاتنا ، فتلك تنزل صاحبها من منزلته حيث كان . فإن كان مرتكبا للمعاصي قد بعد من اللّه بسببها ، فتلك الصلاة تتركه يتمادى على بعده . وقيل لابن مسعود : إن فلانا كثير الصلاة ، فقال : إنها لا تنفع إلا من أطاعها ، ذكره القرطبي . وقيل : أراد بالصلاة القرآن ، وفيه ضعف ، لتقدم ذكر القرآن ، والأول أولى ، وعلى كل حال فإن المراعي للصلاة لا بد وأن يكون أبعد عن الفحشاء والمنكر ممن لا يراعيها .
وَلَذِكْرُ اللَّهِ
بسائر أنواعه من تحميد ، وتهليل ، وتسبيح ، وغير ذلك
أَكْبَرُ
من كل شيء أي : أفضل من العبادات كلها بغير ذكر ، وقد نقل القرطبي هذا التقييد عن ابن زيد وقتادة . قال ابن عطية : وعندي أن المعنى ولذكر اللّه أكبر على الإطلاق ، أي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر ، فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك ، وكذلك يفعل ما لم يكن منه في الصلاة لأن الانتهاء لا يكون إلا ممن ذكر اللّه مراقبا له وقيل : ذكر اللّه أكبر من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر ، مع المداومة عليه ، قال الفراء وابن قتيبة : المراد بالذكر هنا الصلاة ، والصلاة أكبر من سائر الطاعات وعبر عنها بالذكر كما في قوله :
فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
[ الجمعة : 9 ] للدلالة على أن ما فيها من الذكر هو العمدة في تفضيلها على سائر الطاعات ، وكونها ناهية عن السيئات وقيل : عبر عنها بالذكر ليستقل بالتعليل كأنه قال : والصلاة أكبر لأنها ذكر اللّه . وقيل : المعنى ولذكر اللّه لكم بالصواب والثناء عليكم منه أكبر من ذكركم له في عبادتكم وصلواتكم ، واختار هذا ابن جرير ، ويؤيده حديث : « من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم » « 1 » . وقال ابن عباس : يقول ولذكر اللّه لعباده إذ ذكروه كبر من ذكرهم إياه .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب 15 ، والترمذي في الدعاء باب 131 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 241 | صديق الحسيني القنوجي البخاري