وروي أن أعرابيا قال : يا رسول اللّه أي الأعمال أفضل ؟ قال : « تفارق الدنيا ولسانك رطب بذكر اللّه » « 1 » وفي الباب أحاديث كثيرة لا نطول بذكرها . قال ابن عطاء : أكبر أي أن تبقى معه معصية ، وقيل : ذكر اللّه إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته . وقيل : لأن ذكره بلا علة وذكركم مشوب بالعلل والأماني ، ولأن ذكره لا يفنى وذكركم لا يبقى أو ذكره أكبر من أن تحويه أفهامكم وعقولكم ، والذكر النافع هو الذي يكون مع العلم ، وإقبال القلب وتفرغه مما سوى اللّه تعالى ، وأما ما لا يتجاوز اللسان ففي رتبة أخرى .
وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ
من الذكر ومن سائر الطاعات لا يخفى عليه من ذلك خافية فهو مجازيكم بالخير خيرا وبالشر شرا ، ثم شرع سبحانه في بيان إرشاد أهل الكتاب بعد بيان إرشاد أهل الشرك فقال :
[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 46 إلى 47 ]
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 46 ) وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ ( 47 )
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
أي : بالخصلة التي هي أحسن للثواب ، وذلك على سبيل الدعاء لهم إلى اللّه عز وجل ، والتنبيه لهم على حججه وبراهينه رجاء إجابتهم إلى الإسلام لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة ، وعن ابن عباس قال : بالتي هي أحسن ، بلا إله إلا اللّه .
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ
بأن أفرطوا في المجادلة ، ولم يتأدبوا مع المسلمين فلا بأس بالإغلاظ عليهم ، والتخشين في مجادلتهم ، هكذا فسر الآية أكثر المفسرين بأن المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى ، وقيل : معنى الآية لا تجادلوا من آمن بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم من أهل الكتاب كعبد اللّه بن سلام ، وسائر من آمن منهم إلا بالتي هي أحسن ، يعني بالموافقة فيما حدثوكم به ، من أخبار أهل الكتاب ، ويكون المراد بالذين ظلموا على هذا هم الباقون على كفرهم .
قال مجاهد هذه : الآية محكمة فيجوز مجادلتهم بها ، وقيل : هي منسوخة بآية القتال ، وبذلك قال قتادة ومقاتل ، قال النحاس وغيره : من قال هي منسوخة احتج بأن الآية مكية ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض ، ولا طلب جزية ولا غير ذلك .
وقول مجاهد حسن ، لأن أحكام اللّه عز وجل لا يقال فيها إنها منسوخة ، إلا بخبر يقطع العذر أو حجة من معقول ، واختار هذا القول ابن العربي .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في الدعوات باب 4 ، وأحمد في المسند 4 / 188 . 190 .