تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
للاستغراق ، أي وما هم بحاملين شيئا من خطيئاتهم التي التزموا بها ، وضمنوا لهم حملها ، ثم وصفهم اللّه سبحانه بالكذب في هذا التحمل فقال :
إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
فيما ضمنوا به من حمل خطاياهم ، قال المهدوي هذا التكذيب لهم من اللّه عز وجل حمل على المعنى ، لأن المعنى إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم ، فلما كان الأمر يرجع في المعنى إلى الخبر أوقع عليه التكذيب كما يوقع على الخبر .
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ
أي : أوزارهم التي عملوها ، والتعبير عنها بالأثقال للإيذان بأنها ذنوب عظيمة
وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ
أي أوزارا مع أوزارهم وهي أوزار من أضلوهم وأخرجوهم عن الهدى إلى الضلالة ، ومثله قوله سبحانه :
لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ
[ النحل : 25 ] . ومثله قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها » « 1 » كما في حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم وغيره .
وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ
سؤال تقريع وتوبيخ
عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ
أي : يختلقونه من الأكاذيب والأباطيل التي كانوا يأتون بها في الدنيا وأضلوهم بها ، ومن جملتها هذا الوعد .
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ
وعمره أربعون سنة أو أكثر ، وبينه وبين آدم ألف سنة ، أجمل سبحانه قصة نوح تصديقا لقوله في أول السورة
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
[ العنكبوت : 3 ]
فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً
فيه تثبيت للنبي صلّى اللّه عليه وسلم كأنه قيل له : إن نوحا لبث هذه المدة الكثيرة يدعو قومه ولم يؤمن منهم إلا قليل ، فصبر وما ضجر ، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك ، وكثرة عدد أمتك ، قيل : ووقع في النظم .
إِلَّا خَمْسِينَ عاماً
ولم يقل تسعمائة سنة وخمسين ، لأن في الاستثناء تحقيق العدد بخلاف الثاني فقد يطلق على ما يقرب منه وذكر الألف أفخم وأوصل إلى الغرض . وجيء بالمميز أولا بالسنة ، ثم بالعام لأن تكرار لفظ واحد في كلام واحد حقيق بالاجتناب في البلاغة ، ثم إنه خص لفظ العام بالخمسين إيذانا بأن نبي اللّه لما استراح منهم بقي في زمن حسن ، والعرب تعبر عن الخصب بالعام ، وعن الجدب بالسنة . وقد اختلف في مقدار عمر نوح عليه السلام ، وليس في الآية إلا أنه لبث فيهم هذه المدة ، وهي لا تدل على أنها جميع عمره ، فقد تلبث في غيرهم قبل اللبث فيهم ، وقد تلبث في الأرض من بعد هلاكهم بالطوفان ، فقال ابن عباس : بعث اللّه نوحا وهو ابن أربعين سنة ، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في العلم حديث 15 ، والزكاة حديث 69 ، والنسائي في الزكاة باب 64 ، وأحمد في المسند 4 / 357 ، 359 ، 360 ، 361 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 224 | صديق الحسيني القنوجي البخاري