و
أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ
فإنزاله عليك ليس عن معياد ، ولا عن طلب سابق منك ، وهذا تذكير له صلّى اللّه عليه وسلم بالنعم ، والاستثناء في قوله :
إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
منقطع ، أي :
لكن إلقاؤه عليك رحمة من ربك ، أو متصل حملا على المعنى كأنه قيل : وما ألقى إليك الكتاب إلا لأجل الرحمة من ربك والأول أولى ، وبه جزم الكسائي ؛ والفراء ، ثم أمره اللّه بخمسة أشياء فقال :
فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ
أي : عونا لهم ، وفيه تعريض بغيره من الأمة ، وقيل : المراد لا تكونن ظهيرل لهم بمداراتهم .
وَلا يَصُدُّنَّكَ
قرىء من صده يصده ، ومن أصده بمعنى صده والمعنى لا يمنعك يا محمد الكافرون ، وأقوالهم ، وكذبهم ، وأذاهم
عَنْ آياتِ اللَّهِ
أي : عن تلاوتها ، والعمل بها وتبليغها
بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ
أي بعد إذ أنزلها اللّه إليك وفرضت عليك .
وَادْعُ
الناس
إِلى رَبِّكَ
أي : إلى اللّه وإلى توحيده ، والعمل بفرائضه واجتناب معاصيه
وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
بإعانتهم ، وفيه تعريض بغيره ، كما تقدم لأنه صلّى اللّه عليه وسلم لا يكون منهم بحال من الأحوال وكذلك قوله :
[ سورة القصص ( 28 ) : آية 88 ]
وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 88 )
وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
فإنه تعريض بغيره ، ثم وحد سبحانه نفسه ووصفها بالبقاء والدوام فقال :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ
من الأشياء كائنا ما كان .
هالِكٌ
في حد ذاته ، لأن وجوده ليس ذاتيا ، بل لاستناده إلى واجب الوجود ، فهو بالقوة وبالذات معدوم حالا ، والمراد بالمعدوم ما ليس له وجود ذاتي ، لأن وجوده كلا وجود ، وأما حمل هالك على المستقبل فكلام ظاهري قاله الشهاب .
إِلَّا وَجْهَهُ
أي : إلا ذاته . قال الزجاج : وجهه منصوب على الاستثناء ولو كان في غير القرآن كان مرفوعا ، بمعنى كل شيء غير وجهه هالك ، وقضية الاستثناء إطلاق الشيء على اللّه تعالى ، وهو الصحيح ، لأن المستثنى داخل في المستثنى منه ، وإنما جاء على عادة العرب في التعبير بالأشرف على الجملة ومن لم يطلقه عليه جعله متصلا أيضا ، وجعل الوجه ما عمل لأجله سبحانه ، فإن ثوابه باق قاله الكرخي .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : « لما نزلت
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
[ الرحمن : 26 ] قالت الملائكة : هلك أهل الأرض فلما نزلت
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
[ آل عمران : 185 ] قالت الملائكة : هلك كل نفس ، فلما نزلت
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
قالت الملائكة : هلك أهل السماء والأرض » . وعنه قال : إلا ما أريد