وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ
[ القصص : 77 ] ، وذكر الفساد والعلو منكّزين في حيز النفي يدل على شمولهما لكل ما يطلق عليه أنه فساد ، وأنه علو من غير تخصيص بنوع خاص ؛ أما الفساد فظاهر أنه لا يجوز شيء منه كائنا ما كان وأما العلو فالممنوع منه ما كان على طريقة التكبر على الغير والتطاول على الناس ؛ وليس منه طلب العلو في الحق والرياسة في الدين ولا محبة اللباس الحسن ، والمركوب الحسن ، والمنزل الحسن .
عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الآية قال : « التجبر في الأرض والأخذ بغير الحق » ، أخرجه المحاملي والديلمي . وروى مثله عن مسلم البطين ، وابن جرير ، وعكرمة . وقال سعيد بن جبير بغيا في الأرض . وعن الحسن قال : هو الشرف والعلو عند ذوي سلطانهم . وأقول : إن كان ذلك للتقوى به على الحق فهو من خصال الخير لا من خصال الشر . وعن علي بن أبي طالب قال : إن الرجل ليحب أن يكون شسع نعله أفضل من شسع نعل صاحبه فيدخل في هذه الآية .
قال ابن كثير في تفسيره بعد ذكر هذه الرواية عن علي : وهذه محمول على من أحب ذلك لا بمجرد التجمل . فهذا لا بأس به ، فقد ثبت أن رجلا قال : يا رسول اللّه إني أحب أن يكون ثوبي حسنا ، ونعلي حسنة ، أفمن الكبر ذلك ؟ قال : « لا ، إن اللّه جميل يحب الجمال » « 1 » .
وعن علي بن أبي طالب قال : نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع من الولاة ، وأهل القدرة من سائر الناس ، وعن ابن عباس مثله .
وعن عدي بن حاتم قال : لما دخل على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ألقى إليه وسادة فجلس على الأرض فقال : « أشهد أنك لا تبغي علوا في الأرض ولا فسادا فأسلم » أخرجه ابن مردويه .
وَالْعاقِبَةُ
المحمودة
لِلْمُتَّقِينَ
أي لمن اتقى عقاب اللّه بأداء أوامره واجتناب نواهيه ، وقيل : عاقبة المتقين الجنة .
مَنْ جاءَ
يوم القيامة متصفا
بِالْحَسَنَةِ
بأن كان من المؤمنين ، والحسنة ما يحمد فاعلها شرعا ، وسميت حسنة لحسن وجه صاحبها عند رؤيتها في القيامة ، والمراد الحسنة المقبولة الأصلية المعمولة للعبد أو ما في حكمها ، كما لو تصدق عنه غيره ، لا المأخوذة في نظير ظلامتهم ، كما لو ضرب زيد عمرا ضربة ، وكان لزيد حسنات موجودة فيؤخذ منها فيعطى لعمرو ، فهذه الحسنة لا تنسب لعمرو ، لا حقيقة ولا حكما فلا تضاعف له . وخرج بالمعمولة ما لو هم بحسنة فلم يعملها لمانع ، فإنها تكتب له واحدة ، ويجازى عليها من غير تضعيف .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 147 ، وابن ماجة في الدعاء باب 10 ، وأحمد في المسند 4 / 133 ، 134 ، 151 .