تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
قال السدي وقتادة ، ومجاهد : أي لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم بالقتل والتعذيب ، وسيأتي في بيان سبب نزول هذه الآيات ما يوضح معنى ما ذكرنا قال ابن عطية : وهذه الآية وإن كانت نازلة في سبب خاص - فهي باقية في أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، موجود حكمها بقية الدهر ، وذلك أن الفتنة من اللّه باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو ، وغير ذلك . والفتنة الامتحان بشدائد التكليف ، من مفارقة الأوطان ، والمهاجرة ، ومجاهدة الأعداء ، وسائر الطاعات الشاقة ، وهجر الشهوات ، وبالفقر والقحط وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ومصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم ، لينالوا بالصبر عليها عوالي الدرجات ، فإن مجرد الإيمان وإن كان عن خلوص لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب . أخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن جرير وغيرهم : أنها أنزلت في ناس كانوا بمكة وقد أقروا بالإسلام فكتب إليهم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من المدينة لما أنزلت آية الهجرة أنه لا يقبل منكم إقرار ، ولا إسلام حتى تهاجروا ، قال : فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم المشركون فردوهم ، فنزلت فيهم هذه الآية فكتبوا إليهم أنه قد أنزل فيكم كذا وكذا ، فقالوا : نخرج فإن اتبعنا أحد قتلناه ، فخرجوا فاتبعهم المشركون ، فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا ، فأنزل اللّه فيهم :
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
[ النحل : 110 ] ، وعن قتادة نحوه بأخصر منه ، وقيل : نزلت في عمار بن ياسر إذا كان يعذب في اللّه ، وعن ابن مسعود قال : أول من أظهر اللّه إسلامه سبعة ، رسول اللّه ، وأبو بكر ، وسمية أم عمار ، وعمار ، وصهيب ، وبلال ، والمقداد ، فأما رسول اللّه فمنعه اللّه بعمه أبي طالب ، وأما أبو بكر فمنعه اللّه بقومه ، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد ، وصهروهم في الشمس ، فما منهم من أحد ، إلا وقد آتاهم على ما أرادوا إلا بلال فإنه هانت عليه نفسه في اللّه ، وهان على قومه ، فأخذوه وأعطوه الولدان ، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول : أحد أحد .

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 3 إلى 9 ]

وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ ( 3 ) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 4 ) مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 5 ) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 6 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ( 7 ) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ( 9 )
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
أي هذه سنة اللّه في عباده قديمة ، جارية في الأمم