تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
تعيشون فيه نهارا
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
لا ليل معه بإسكان الشمس في وسط السماء ، أو تحريكها على مدار فوق الأفق .
مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ
بزعمكم
يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ
أي تستقرون
فِيهِ
من النصب والتعب ، وتستريحون مما تزاولون من طلب المعاش والكبت .
أَ فَلا تُبْصِرُونَ
هذه المنفعة العظيمة إبصار متعظ متيقظ ، حتى تنزجروا عما أنتم فيه من عبادة غير اللّه ، فإذا أقروا بأنه لا يقدر على ذلك إلا اللّه عز وجل ، فقد لزمتهم الحجة ، وبطل ما يتمسكون به من الشبهة الساقطة ، وإنما قرن سبحانه بالضياء قوله أفلا تسمعون ؟ لأن السمع يدرك ما لا يدرك البصر ، ومن درك منافعه ووصف فوائده ، وقرن بالليل قوله أفلا تبصرون ، لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ، ما تبصره أنت من السكون ، ونحوه ، البصر يدرك ما لا يدرك السمع من ذلك .
وَمِنْ رَحْمَتِهِ
تعالى
جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ
أي في الليل
وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
أي في النهار بالسعي في المكاسب وفيه مدح للسعي في طلب الرزق ، وهو لا ينافي التوكل
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
أي ولكي تشكروا نعمة اللّه عليكم ، وهذه الآية من باب اللف والنشر ، واعلم أنه وإن كان السكون في النهار ممكنا ، وطلب الرزق في الليل ممكنا ، وذلك عند طلوع القمر على الأرض ، أو عند الاستضاءة بشيء مما له نور كالسراج ، لكن ذلك قليل نادر ، مخالف لما يألفه العباد فلا اعتبار به .
وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
كرر سبحانه هذا لاختلاف الحالتين ، لأنهم ينادون مرة فيدعون الأصنام ، وينادون أخرى فيسكتون وفي هذا التكرار أيضا تقريع بعد تقريع وتوبيخ بعد توبيخ وإيذان بأنه لا شيء أجلب لغضب اللّه من الإشراك به ، كما لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده ، أو الأول لتقرير فساد رأيهم ، والثاني لبيان أنه لم يكن عن مستند وإنما هو محض تشبه وهوى .
وَنَزَعْنا
جاء بصيغة الماضي للدلالة على التحقيق أي أخرجنا
مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ
من الأمم
شَهِيداً
يشهد عليهم بما قالوا ، قال مجاهد : هم الأنبياء وقيل : عدول كل أمة ، والأول أولى ، ومثله قوله سبحانه :
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً
[ النساء : 41 ] ثم بيّن سبحانه ما يقوله لكل أمة من هذه الأمم بقوله :
فَقُلْنا
لهم :
هاتُوا بُرْهانَكُمْ
أي حجتكم ودليلكم بأن معي شركاء : فعند ذلك اعترفوا وخرسوا عن إقامة البرهان ولذا قال :
فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ
في الإلهية وأنه وحده لا شريك له
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
أي غاب عنهم غيبة الشيء الضائع ، وبطل ، وذهب ما كانوا يختلقون من الكذب في الدنيا بأن للّه شركاء يستحقون العبادة ، ثم عقب سبحانه حديث أهل