تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً
النصب على الحال أي : عونا والردء : المعين من أردأته إذا أعنته ، يقال : فلان ردء فلان إذا كان ينصره ، ويشد ظهره ، وقيل : من قولهم أردى على المائة إذا زاد عليها فكأن المعنى : أرسله معي زيادة في تصديقي .
يُصَدِّقُنِي
بالرفع على الاستئناف ، وبالجزم على جواب الأمر وقرأ أبيّ : يصدقوني ، أي فرعون وملؤه ، وقال ابن عباس : كي يصدقني ، أي هارون ومعنى تصديقه موسى إعانته إياه بزيادة البيان في مظان الجدال ، وتقرير الحجة بتوضيحها ، وتزييف الشبهة ، وتلخيص الدلائل بلسانه . والجواب عن شبهات الكفار ببيانه ليثبت دعواه لا أن يقول له : صدقت ، ألا ترى إلى قوله هو أفصح مني ؟ وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لتقرير البرهان ؟ لا لقوله صدقت ، فسحبان وبأقل فيه يستويان ، وهذا هو الجاري مجرى التصديق كما يصدق القول بالبرهان .
إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ
إذا لم يكن معي هارون لعدم انطلاق لساني بالمحاجة .
قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ
هارون ، وكان إذا ذاك بمصر ، أي نقويك به فإن قوة الشخص بشدة اليد على مزاولة الأمور ، ولذلك يعبر عنه باليد ، وعن شدتها بشدة العضد ، فهو مجاز مرسل على طريق إطلاق السبب وإرادة المسبب بمرتبتين ، فإن شدة العضد سبب مستلزم لشدة اليد وشدة اليد مستلزمة لقوة الشخص في المرتبة الثانية . قال الشهاب : الشد التقوية فهو إما كناية تلويحية عن تقويته ، لأن اليد تشد بشد العضد ، والجملة تشد بشد اليد ، ولا مانع من الحقيقة كما توهم ، أو استعارة تمثيلية ، شبه حال موسى في تقويه بأخيه بحال اليد في تقويها بالعضد ، ويقال في دعاء الخير شد اللّه عضدك ، وفي ضده فت اللّه عضدك ، قرأ الجمهور
عَضُدَكَ
بفتح العين وضم الضاد وقرىء بضمهما وسكون الضاد ، وبفتحهما .
وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً
أي حجة وبرهانا أو تسلطا وغلبة ، وهيبة في قلوب الأعداء
فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما
بالأذى والسوء ، ولا يقدرون على غلبتكما بالحجة
بِآياتِنا
أي تمنعان منهم بآياتنا أو اذهبا بآياتنا وقيل : الباء للقسم وجوابه ، فلا يصلون ، وما أضعف هذا القول . وقال الأخفش وابن جرير في الكلام تقديم وتأخير ، أي أنتما ومن اتبعكما الغالبون بآياتنا ، وأولى هذه الوجوه أولها ، وفي قوله :
أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ
تبشير لهما ؛ وتقوية لقلوبهما .
فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ
واضحات الدلالة ، وقد تقدم وجه إطلاق الآيات وهي جمع على العصا واليد في سورة طه ، وهو أن في كل منهما آيات عديدة .
قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً
أي مختلق مكذوب اختلقته من قبل نفسك ثم