تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
قال جعفر ، أبصر نارا دلته على الأنوار لأنه رأى النور في هيئة النار ، فلما دنا منها شملته أنوار القدس ، وأحاطت به جلابيب الأنس فخوطب بألطف خطاب واستدعى منه أحسن جواب فصار بذلك مكلما شريفا أعطي ما سأل ، وأمن مما خاف . قيل : إن موسى لما رأى النار في الشجرة الخضراء علم أنه لا يقدر على الجمع بين النار وخضرة الشجرة إلا اللّه فعلم بذلك المتكلم هو اللّه تعالى وقيل : إن اللّه خلق في نفس موسى علما ضروريا بأن المتكلم هو اللّه وإن ذلك الكلام كلام اللّه ، وذهب جماعة من المتكلمين منهم الغزالي إلى أنه سمع كلامه الأزلي النفسي بلا صوت ولا حرف ، ولا دليل عليه . وقيل : غير ذلك مما لا فائدة في ذكره . وقال في سورة طه :
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ
[ طه : 12 ] وقال في النمل
نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها
[ النمل : 8 ] وهما مخالفان لما هنا من حيث اللفظ إلا أن الجميع متوافق في المقصود وهو فتح باب الاستنباء وسوق الكلام على وجه يؤدي إليه قال الإمام : لا منافاة بين هذه الأشياء فهو تعالى ذكر الكل إلا أنه حكى في كل سور بعض ما اشتمل عليه ذلك النداء انتهى .
وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ
وقد تقدم تفسير هذا وما بعده في طه والنمل ، وفي الكلام حذف ، أي فألقاها فصارت ثعبانا فاهتزت
فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ
أي : تتحرك
كَأَنَّها جَانٌّ
في سرعة حركتها ، مع عظم جسمها
وَلَّى مُدْبِراً
أي هاربا منهزما
وَلَمْ يُعَقِّبْ
أي : لم يرجع فنودي :
يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ
من أن ينالك مكروه من الحية ؛ وقد تقدم تفسير جميع ما ذكر هنا مستوفى فلا نعيده وكذلك قوله :

[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 32 إلى 37 ]

اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 32 ) قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 33 ) وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 34 ) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ ( 35 ) فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ( 36 ) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 37 )
اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ
والسلك بالفتح ، والسلوك كل منهما مصدر لسلك الشيء في الشيء أنفذه فيه ، فإنه من باب قعد ونصر
تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ
فأدخلها فخرجت ولها شعاع كضوء الشمس من غير برص .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 184 | صديق الحسيني القنوجي البخاري