تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
من مخالطتهم ، أو عجزا عن السقي معهم ، قرىء نسقي بفتح النون ، وبضمها من أسقى ، وقرىء يصدر من أصدر . ومن صدر يصدر لازما : أي : يرجعون مواشيهم ، والرعاء جمع راع على غير قياس ؛ لأن فاعلا الوصف المعتل اللام كقاض قياسه فعله نحو قضاة ورماة خلافا للزمخشري في أن جمعه على فعال قياس ، كصيام وقيام قاله الكرخي . قرأ الجمهور :
الرِّعاءُ
بكسر الراء وقرىء بفتحها قال أبو الفضل : هو مصدر أقيم مقام الصفة فلذلك استوى فيه الواحد والجمع ، وقرىء الرعاء بالضم اسم جمع .
وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ
عالي السن ، وهذا من تمام كلامهما إبداء منهما للعذر في مباشرة السقي أنفسهما أي : لا يقدر أن يسقي ماشيته من الكبر ؛ فلذلك احتجنا ونحن امرأتان ضعيفتان مستورتان ؛ لا نقدر على مزاحمة الرجال وعلى أن نسقي الغنم لعدم وجود رجل يقوم لنا بذلك ، قيل : أبوهما شعيب وقيل : هو ثيرون ابن أخي شعيب ، وقيل : هو رجل ممن آمن بشعيب ؛ والأول أولى . وإنما رضي شعيب لابنتيه بسقي الماشية ، لأن هذا الأمر في نفسه ليس بمحظور ، والدين لا يأباه . وأما المروءة فعادات الناس في ذلك متباينة ، وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم ، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر ، خصوصا إذا كانت الحالة حالة الضرورة ، فلما سمع موسى كلامهما رق لهما ورحمهما .
فَسَقى لَهُما
أي : سقى أغنامهما لأجلهما رغبة في المعروف وإغاثة للملهوف ، قال المحلي : سقى من بئر أخرى ، لقربها ، رفع حجرا عنها لا يرفعه إلا عشرة أنفس انتهى
ثُمَّ
لما فرغ من السقي لهما
تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ
أي : انصرف إليه فجلس فيه من شدة الحر وهو جائع . قيل : كان هذا الظل ظل سمرة هنالك ، وهي شجرة من شجر الطلح وفيه دليل على جواز الاستراحة في الدنيا بخلاف ما يقوله بعض المتقشفة .
فَقالَ
أي ثم قال لما أصابه من الجهد والتعب مناديا لربه
رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ
أي خير كان
فَقِيرٌ
أي محتاج إلى ذلك واللام بمعنى إلى ، قال الأخفش : يقال هو فقير له وإليه ، قال ابن عباس لقد قال موسى رب الخ وهو أكرم خلقه عليه ، ولقد افتقر إلى شق تمرة ، ولقد لصق بطنه بظهره من شدة الجوع . وعنه قال : ما سأل إلا الطعام ؛ وعنه قال : سأل فلقا من الخبز يشد بها صلبه من الجوع ، ويحتمل أن يريد أني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إليّ من خير الدين وهو النجاة من الظالمين ، لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة ، قال ذلك رضاء بالبدل السني ، وفرحا بالعوض الهني ، وشكرا للّه الغني . وقال ابن عطاء : نظر من العبودية إلى الربوبية ، وتكلم بلسان الافتقار ، لما ورد على سره من الأنوار .