تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
ليال ، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر ، وخرج حافيا فما وصل إليها حتى وقع خف قدمه . وعنه قال : خرج موسى خائفا جائعا ليس معه زاد ، حتى انتهى إلى ماء مدين وهو أول ابتلاء من اللّه تعالى لموسى ، ثم دعا ربه بأن ينجيه ممن خافه . و
قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
قوم فرعون ، أي خلصني منهم وادفعهم عني ، وحل بيني وبينهم ، واحفظني من لحوقهم .
وَلَمَّا تَوَجَّهَ
أي قصد بوجهه
تِلْقاءَ مَدْيَنَ
أي نحوها ، وجهتها قاصدا لها ماضيا إليها . قال الزجاج : أي سلك في الطريق التي تلقاء مدين فيها انتهى والتوجه : الإقبال على الشيء ومدين قرية شعيب ، يقال : داره تلقاء دار فلان ، وأصله من اللقاء ولم تكن هذه القرية داخلة تحت سلطان فرعون ، ولهذا خرج إليها ولكن لم يكن يعرف طريقها .
قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ
أي : يرشدني نحو الطريق المستوية إلى مدين وهو من إضافة الصفة للموصوف وكان لها ثلاث طرق ، فأخذ موسى الوسطى ، وجاء الطلاب في أثره فساروا في الأخريين ، ذكره أبو السعود .
وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ
أي : وصل إليه وهو الماء الذي يستقون منه ، والمراد بالماء هنا بئر فيها ، صرح به الخازن والمحلي ، فهو من باب ذكر الحال وإرادة المحل ، ولفظ الورود قد يطلق على الدخول في المورد ، وقد يطلق على البلوغ إليه وإن لم يدخل فيه وهو المراد هنا ، وقد تقدم تحقيق معنى الورود في قوله :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
، وقيل : مدين اسم للقبيلة لا للقرية ، وهي غير منصرفة على كلا التقديرين .
وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً
أي : وجد على الماء جماعة كثيرة لأن التنكير للتكثير
مِنَ النَّاسِ
أي من أناس مختلفين
يَسْقُونَ
مواشيهم
وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ
أي : من دون الناس الذين يسقون ما بينهم وبين الجهة التي جاء منها وقيل : معناه في موضع أسفل منهم قاله أبو السعود ، وفي الخازن : في موضع بعيد منهم .
امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ
أي تحبسان أغنامهما من الماء ، حتى يفرغ الناس ، ويخلو بينهما وبين الماء ، وبه قال ابن عباس ، وورد الذود بمعنى الطرد ، أي تطردان ، وقيل : تكفان الغنم عن أن تختلط بأغنام الناس ، وقيل : تمنعان أغنامهما عن أن تند ، وتذهب ، والأول أولى لقوله :
قالَ
موسى للمرأتين
ما خَطْبُكُما
أي : ما شأنكما لا تسقيان غنمكما مع الناس ؟ والخطب الشأن ، قيل : وإنما يقال ما خطبك لمصاب أو لمضطهد أو لمن يأتي بمنكر .
قالَتا
عادتنا التأني
لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ
عن الماء ، وينصرفوا منه حذرا