تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
بقتل القبطي من غير أمر
فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ
اللّه
لَهُ
ذلك ؛ وعلم أنه غفر له بإلهام أو بغيره ، ولا يلزم من هذا نبوته في هذا الوقت
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
بإقالة الزلل
الرَّحِيمُ
بإزالة الخلل المتصف بهما في الأبد والأزل . ووجه استغفاره أنه لم يكن لنبي أن يقتل حتى يؤمر ، وقيل : إنه طلب المغفرة من تركه للأولى كما هو سنة المرسلين ، أو أراد أني ظلمت نفسي بقتل هذا الكافر ، لأن فرعون لو يعرف ذلك لقتلني به ؛ وقيل : معنى فاغفر لي استر ذلك علي لا يطلع عليه فرعون ، وهذا خلاف الظاهر ، فإن موسى عليه السلام ما زال نادما على ذلك خائفا من العقوبة بسببه حتى إنه يوم القيامة عند طلب الناس الشفاعة منه يقول : « إني قتلت نفسا لم أؤمر بقتلها » « 1 » ، كما ثبت ذلك في حديث الشفاعة الصحيح . وقد قيل : إن هذا كان قبل النبوة ، وقيل كان قبل بلوغه سن التكليف ، وأنه كان إذ ذاك في اثنتي عشرة سنة ، وكل هذه التأويلات البعيدة محافظة على ما تقرر من عصمة الأنبياء ولا شك أنهم معصومون عن الكبائر والقتل الواقع منه لم يكن عن عمد فليس بكبيرة ، لأن الوكزة في الغالب لا تقتل . وقيل : بل كان من قبيل دفع الصائل . وهو لا إثم فيه وأشار له القرطبي بقوله : وإنما أغاثه لأن نصر المظلوم دين في الملل كلها وفرض في جميع الشرائع وقيل : هو على سبيل الاتضاع للّه تعالى ، والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه . وإن لم يكن هناك ذنب فهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين . ثم لما أجاب اللّه سؤاله وغفر له ما طلب منه مغفرته .
قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ
الباء للقسم وما موصولة أو مصدرية أي : أقسم بإنعامك عليّ بالمغفرة لأتوبن قاله الزمخشري والمهدوي والماوردي . وقيل : المراد بما أنعم به عليه هو ما آتاه من الحكم والمعرفة والعلم والتوحيد ، قاله القرطبي . وقال الثعلبي : أي بالمغفرة فلم تعاقبني . وجملة
فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ
كالتفسير للجواب ، وكأنه أقسم بما أنعم اللّه عليه أن لا يظاهر مجرما ، ويجوز أن تكون الباء هي باء السببية ؛ متعلقة بمحذوف أي : اعصمني بسبب ما أنعمت به عليّ . ويكون قوله :
فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً
مترتبا عليه ، ويكون في ذلك استعطاف للّه تعالى ، وتوصل إلى إنعامه بإنعامه وأراد بمظاهرة
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في القيامة باب 10 .