تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
بما كانوا عليه في الدنيا وبهذا يتضح معنى هذه الآيات ويظهر ظهورا بينا ، والإضرابات الثلاث تنزيل لأحوالهم وتكرير لجهلهم . ولما ذكر سبحانه أن المشركين في شك من البعث وأنهم عمون عن النظر في دلائله أراد أن يبيّن غاية شبهتهم وهي مجرد استبعاد إحياء الموتى بعد صيرورتهم ترابا فقال :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ
المعنى أنهم استنكروا واستبعدوا أن يخرجوا من قبورهم أحياء بعد أن قد صاروا ترابا . ثم أكدوا ذلك الاستبعاد بما هو تكذيب للبعث فقالوا :
لَقَدْ وُعِدْنا هذا
يعنون البعث
نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ
أي من قبل وعد محمد صلّى اللّه عليه وسلم لنا وقد مرت الدهور على هذا الوعد ولم يقع منه شيء ، فذلك دليل على أنه لا حقيقة له والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير الإنكار مصدرة بالقسم لزيادة التقرير .
إِنْ هذا
« الوعد بالبعث »
إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
أي أحاديثهم وأكاذيبهم الملفقة التي كتبوها ولا حقيقة لها وقد تقدم تحقيق معنى الأساطير في سورة المؤمنين ثم أوعدهم سبحانه على عدم قبول ما جاءت به الأنبياء من الإخبار بالبعث فأمرهم بالنظر في أحوال الأمم السابقة المكذبة للأنبياء وما عوقبوا به وكيف كانت عاقبتهم فقال :
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ
المكذبين بما جاءت به الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام ، من الإخبار بالبعث ومعنى النظر هو مشاهدة آثارهم بالبصر ، فإن في المشاهدة زيادة اعتبار ، وكفاية لأولي الأبصار . وقيل : المعنى فانظروا بقلوبكم وبصائركم ، كيف كان عاقبة المكذبين لرسلهم ؟ والأول أولى ، لأمرهم بالسير في الأرض ؛ وفيه تهديد لهم على التكذيب ؛ وتخويف بأن ينزل بهم مثل ما نزل بالمكذبين قبلهم .

[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 70 إلى 78 ]

وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 70 ) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 71 ) قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ( 72 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ( 73 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ ( 74 ) وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 75 ) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 76 ) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 77 ) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ( 78 )
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ
الحزن سببه إما فوت أمر في الماضي ، أو توقع مكروه في المستقبل ، أي : لا تحزن على عدم إيمان المستهزئين فيما مضى ولا تغتم وتهتم بمكرهم في المستقبل ؛ وهو معنى قوله :