تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ
الضيق الحرج ، يقال : ضاق الشيء ضيقا بالفتح ، وضيقا بالكسر ، قرىء بهما وهما لغتان ، قال ابن السكيت : يقال : في صدر فلان ضيق ، وهو ما يضيق عنه الصدور ، وقرىء لا تكن بثبوت النون هنا على الأصل . وقد حذفت من هذا المضارع في القرآن في عشرين موضعا ، تسعة منها مبدوءة بالتاء ، وثمانية بالياء ، واثنان بالنون ، وواحد بالهمزة ، وهو قوله :
وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا
[ مريم : 20 ] ، وقد تقدم تفسير هذه الآية في آخر سورة النحل .
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ
بالعذاب الذي تعدنا
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
في ذلك ، خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ومن معه ، من المؤمنين .
قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ
يقال ردفت الرجل وأردفته ، إذا ركبت خلفه ، وردفه إذا اتبعه وجاء في إثره ، قال ابن شجرة : معنى ردف لكم تبعكم ، قال : ومنه ردف المرأة ، لأنه تبع لها من خلفها . قال الجوهري : وأردفه لغة في ردفه مثل تبعه واتبعه . قال الفراء : ردف لكم دنا لكم ، ولهذا قيل : لكم ، وقرىء ردف بفتح الدال ، وهي لغة ، والكسر أشهر . وقرأ ابن عباس ( أزف لكم ) وعسى ولعل وسوف في مواعيد الملوك بمنزلة الجزم بمدخولها ، وإنما يطلقونها إظهارا للوقار ، وإشعارا بأن الرمز من أمثالهم كالتصريح ممن عداهم ، وعلى ذلك يجري اللّه وعيده ، قاله أبو السعود والمعنى قل : يا محمد صلّى اللّه عليه وسلم لهؤلاء الكفار : عسى أن يكون هذا العذاب الذي به توعدون تبعكم ولحقكم ؛ فتكون اللام زائدة للتأكيد ، أو بمعنى اقترب لكم ودنا منكم قاله ابن عباس ، فتكون غير زائدة .
بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ
من العذاب ، أي حلوله ، قيل : هو عذابهم بالقتل يوم بدر ، وقيل : هو عذاب القبر ، ثم ذكر سبحانه فضله فقال :
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ
في تأخير العقوبة ، والأولى أن تحمل الآية على العموم ، ويكون تأخير العقوبة من جملة أفضاله سبحانه وإنعامه .
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ
فضله وإنعامه ، ولا يعرفون حق إحسانه . ثم بين سبحانه أنه مطلع على ما في صدورهم فقال :
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ
أي ما تخفيه فليس التأخير لخفاء حالهم عليه ، قرىء بضم التاء من أكن ، وبفتحها وضم الكاف يقال كننته بمعنى سترته وأخفين أثره
وَما يُعْلِنُونَ
من أقوالهم وأفعالهم ، ويظهرونها . وقال ابن عباس : يعلم ما عملوا بالليل والنهار .
وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
أي : في اللوح المحفوظ ، والغائبة : هي من الصفات الغالبة والتاء للمبالغة كراوية وعلامة ، وقيل :
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 152 | صديق الحسيني القنوجي البخاري