تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ
أي : الظاهر ، وقيل : المظهر ، وهو الدين الواضح الذي لا يتعلق به شك ، وفيه بيان أن صاحب الحق حقيق بالوثوق باللّه ، وبنصرته وتأييده وحفظه له . والعلة الثانية قوله :
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى
أي : موتى القلوب وهم الكفار وفيه قطع طمعه عن متابعتهم ، ومعاضدتهم رأسا .
وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ
لأنه إذا علم أن حالهم كحال الموتى في انتفاء الجدوى بالسماع ، أو كحال الصم الذين لا يسمعون ، ولا يفهمون ولا يهتدون ، صار ذلك سببا قويا في عدم الاعتداد بهم ، شبه الكفار بالموتى الذين لا حس لهم ولا عقل ، وبالصم الذين لا يسمعون المواعظ ولا يجيبون الدعاء إلى اللّه ، وقرىء تسمع بضم الفوقية وكسر الميم من أسمع ؛ وقرىء بالتحتية مفتوحة وفتح الميم وفاعله الصم ؛ ثم ذكر سبحانه جملة لتكميل التشبيه وتأكيده فقال :
إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ
أي أعرضوا عن الحق إعراضا تاما فإن الأصم لا يسمع الدعاء إذا كان مقبلا فكيف إذا كان مدبرا ؛ معرضا عنه موليا ؛ قال قتادة الأصم إذا ولى مدبرا ثم ناديته لم يسمع ؛ كذلك الكافر لا يسمع ما يدعى إليه من الإيمان . وظاهر نفي سماع الموتى العموم ، فلا يخص منه إلا ما ورد بدليل ؛ كما ثبت في الصحيح « أنه صلّى اللّه عليه وسلم خاطب القتلى في قليب بدر فقيل له : يا رسول اللّه إنما تكلم أجسادا لا أرواح لها » « 1 » وكذلك ما ورد من أن الميت يسمع خفق نعال المشيعين له إذا انصرفوا « 2 » ، ثم ضرب العمى مثلا لهم فقال :
وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ
أي ما أنت بمرشد من أعماه اللّه عن الحق إرشادا يوصله إلى المطلوب منه ، وهو الإيمان ، وليس في وسعك ذلك ، ومثله قوله :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
[ القصص : 56 ] قرأ الجمهور بإضافة هادي إلى العمي ، وقرىء بالتنوين ، وقرىء تهدي فعلا مضارعا ، وفي حرف عبد اللّه وما أن تهدي العمي .
إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا
أي من يصدق بالقرآن في علم اللّه لا من يكفر
فَهُمْ مُسْلِمُونَ
تعليل للإيمان أي : فهم منقادون مخلصون بتوحيد اللّه ، ثم هدد العباد بذكر طرف من أشراط الساعة وأهوالها فقال :
هامش
( 1 ) روي الحديث بطريق وأسانيد وألفاظ مختلفة أخرجه البخاري في الجنائز باب 86 ، والمغازي باب 8 ، ومسلم في الجنائز حديث 26 ، والنسائي في الجنائز باب 117 ، وأحمد في المسند 3 / 104 . ( 2 ) لفظ الحديث : « إنّ الميت إذا وضع في قبره إنه ليسمع خفق نعالهم » ، أخرجه البخاري في الجنائز باب 67 ، ومسلم في الجنة حديث 71 ، وأبو داود في السنة باب 24 ، وأحمد في المسند 2 / 233 ، 347 ، 445 ، 4 / 296 .