تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 598

مساهمون:

ص٥٩٨
انتزاعها من أماكنها إلى الحناجر فلا ترجع إلى أماكنها ولا تخرج
وَ
تشخص
الْأَبْصارُ
من هول ذلك اليوم ، وقيل المراد بتقلبها هو أن تصير عميا بعد أن كانت مبصرة ، وقيل المراد بتقلب القلوب أنها تكون متقلبة بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك ؛ وأما تقلب الأبصار فهو نظرها من أي ناحية يؤخذون وإلى أي ناحية يصيرون ، وقيل المراد تحول قلوبهم وأبصارهم عما كانت عليه من الشك إلى اليقين ومثله قوله :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
[ ق : 22 ] فما كان يراه في الدنيا غيا يراه في الآخرة رشدا ؛ وقيل المراد التقلب على جمر جهنم وقيل غير ذلك .
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا
اللام لام العاقبة والصيرورة لا لام العلة الباعثة أي يفعلون ما يفعلون من التسبيح ، والذكر وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ليجزيهم اللّه أحسن جزاء أعمالهم حسبما وعدهم ، من تضعيف ذلك إلى عشرة أمثاله وإلى سبعمائة ضعف ، وقيل : المراد بما في هذه الآية ما يتفضل به سبحانه عليهم ، زيادة على ما يستحقونه ، والأول أولى لقوله :
وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
فإن المراد به التفضل عليهم بما فوق الجزاء الموعود به ، أي يتفضل بأشياء لم توعد لهم بخصوصياتها أو بمقاديرها ، ولم يخطر ببالهم كيفياتها ، ولا كمياتها ، بل إنما وعدت بطريق الإجمال في مثل قوله تعالى :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ
[ يونس : 26 ] وقوله عليه السلام حكاية عنه عز وجل : « أعددت لعبادي الصالحين ، ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » « 1 » غير ذلك من المواعيد الكريمة التي من جملتها قوله تعالى :
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
فإنه تذييل مقرر للزيادة ، ووعد كريم بأنه تعالى يعطيهم غير أجور أعمالهم ، من الخيرات بما لا يفي به الحساب والمعنى من غير أن يحاسبه على ما أعطاه ، أو إن إعطاءه سبحانه لا نهاية له . قال الكرخي : وضع الموصول موضع ضمير هم للتنبيه بما في حيز الصلة على أن مناط الرزق المذكور محض مشيئته لا أعمالهم المحكية وذلك تنبيه على كمال قدرته وكمال جوده ، وسعة إحسانه ، ولما ذكر سبحانه حال المؤمنين ، وما يؤول إليه أمرهم ذكر مثلا للكافرين فقال :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ
التي هي من أعمال الخير ، كالصدقة ، والعتق والوقف ، والصلاة ، وفك العاني ، وعمارة البيت ، وسقاية الحاج
كَسَرابٍ
هو ما يرى في المفاوز من لمعان الشمس عند اشتداد حر النهار ، على صورة الماء في ظن ما يراه ، وسمي سرابا
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 32 ، باب 1 ، والتوحيد باب 35 ، ومسلم في الجنة حديث 502 ، والترمذي في تفسير سورة 32 ، باب 2 ، وسورة 56 ، باب 1 ، وابن ماجة في الزهد باب 39 ، والدارمي في الرقاق باب 105 ، وأحمد في المسند 2 / 313 ، 438 ، 466 ، 495 .