الغالب عند نزول المطر ، تكاثفت الهموم ، وترادفت الغموم ، وبلغ الأمر إلى الغاية التي ليس وراءها غاية ولهذا قال سبحانه :
ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ
أي هي ظلمات أو هذه ظلمات ، متكاثفة ، مترادفة . ففي هذه الجملة بيان لشدة الأمر ، وتعاظمه ، وبلوغه النهاية القصوى . ووجه الشبه أن اللّه تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات ؛ ظلمة البحر ، وظلمة الأمواج ، وظلمة السحاب . وكذلك الكافر له ثلاث ظلمات ؛ ظلمة الاعتقاد ، وظلمة القول ؛ وظلمة العمل . وقال أبي بن كعب : الكافر يتقلب في خمس من الظلمات ؛ كلامه ظلمة ، وعمله ظلمة ، ومدخله ظلمة ، ومخرجه ظلمة ، ومصيره إلى ظلمات يوم القيامة في النار .
قرىء سحاب ظلمات بالإضافة ووجهها أن السحاب ترتفع وقت هذه الظلمات ، فأضيف إليها لهذه الملابسة ، وقرىء بالقطع والتنوين ، ومن غرائب التفاسير أنه سبحانه أراد بالظلمات أعمال الكافر ، وبالبحر اللجي قلبه ، وبالموج فوق الموج ما يغشي قلبه ، من الجهل ، والشك ، والحيرة وبالسحاب الرين ، والختم ، والطبع ، على قلبه .
وهذا تفسير هو عن لغة العرب بمكان بعيد وعن ابن عباس قال : يعني بالظلمات الأعمال . وبالبحر اللجي قلب الإنسان ؛ يغشاه موج ؛ يعني بذلك الغشاوة التي على القلب ؛ والسمع ، والبصر ، ثم بالغ سبحانه في هذه الظلمات المذكورة بقوله :
إِذا أَخْرَجَ
أي الناظر ، أو الحاضر في هذه الظلمات ، أو من ابتلى بها
يَدَهُ
مع أنها أقرب شيء إليه
لَمْ يَكَدْ يَراها
أي لم يقرب من رؤيتها ، قال الزجاج ، وأبو عبيدة : المعنى لم يرها ولم يكد . وقال الفراء : إن كاد زائدة ، والمعنى إذا أخرج يده لم يرها ، كما تقول : ما كدت أعرفه . وقال المبرد : يعني لم يرها إلا من بعد الجهد لشدة الظلمة . قال النحاس ؛ أصح الأقوال في هذا أن المعنى لم يقارب رؤيتها ، فإذن لم يرها رؤية بعيدة ولا قريبة .
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
مقررة لما قبلها من كون أعمال الكفرة على تلك الصفة . قال الزجاج : ذلك في الدنيا ، والمعنى من لم يهده اللّه لم يهتد . وقيل : إن المعنى من لم يجعل له نورا ، يمشي به يوم القيامة ، فما له من نور ، يهتدي به إلى الجنة . وقيل : من لم يجعل له دينا ، وإيمانا فلا دين له . وقيل : المعنى من لم يقدر له الهداية ، ولم يوفقه لأسبابها فما له من نور ، خلاف الموفق ، الذي له نور على نور ، والآية عامة في حق جميع الكفار ، وقيل خاصة فيمن نزلت فيه ، وهو عتبة بن ربيعة ، كان يلتمس الدين في الجاهلية ، ويلبس المسوح ، فلما جاء الإسلام كفر ، وعاند والأول أولى .
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
قد تقدم تفسير مثل هذه