ولا وجه لهذا الاستبعاد ، فإنا قد قدمنا في أول البحث ما يرفع الإشكال ويوضح ما هو المراد على أحسن وجه ، وأبلغ أسلوب ، وعلى ما تقتضيه لغة العرب ، ويفيده كلام الفصحاء ، فلا وجه للعدول عن الظاهر ، لا من كتاب ، ولا من سنة ، ولا من لغة .
وأما ما حكي عن كعب الأحبار في هذا كما قدمنا فإن كان هو سبب عدول أولئك الصحابة الأجلّاء عن الظاهر في تفسير الآية ، فليس مثل كعب رحمه اللّه ، ممن يقتدى به في مثل ذلك ، وقد نبهناك - فيما سبق - أن تفسير الصحابي إذا كان مستنده الرواية عن أهل الكتاب - كما يقع ذلك كثيرا - فلا تقوم به الحجة ولا يسوغ لأجله العدول عن التفسير العربي ، نعم ، إن صحت قراءة أبيّ بن كعب ، كانت هي المستندة لهذه التفاسير المخالفة للظاهر ، وتكون كالزيادة المبينة للمراد ، وإن لم تصح ، فالوقوف على ما تقتضيه قراءة الجمهور من السبعة ، وغيرهم ، ممن قبلهم ، وممن بعدهم هو المتعين .
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ
هداية خاصة ، موصلة إلى المطلوب ، وليس المراد بالهداية هنا مجرد الدلالة قال ابن عباس : لنوره لدين الإسلام ، وهو نور البصيرة
مَنْ يَشاءُ
من عباده لأن الأسباب دون مشيئته لاغية إذ بها تمامها
وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ
أي يبين الأشياء بأشباهها ونظائرها ، تقريبا لها إلى الأفهام ، وتسهيلا لإدراكها ، لأن إبراز المعقول في هيئة المحسوس وتصويره بصورته يزيده وضوحا وبيانا .
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
لا يغيب عنه شيء من الأشياء معقولا ، كان أو محسوسا ، ظاهرا كان ، أو باطنا . ومنه ضرب الأمثال .
فِي بُيُوتٍ
أي : ذلك المصباح يوقد في بيوت ، وقيل : متعلق بما قبله ، أي كمشكاة في بعض بيوت اللّه ، وهي المساجد ، كأنه قيل : مثل نوره كما يرى في المسجد نور المشكاة من صفتها كيت وكيت ، وقيل : صفة لزجاجة . وقال ابن الأنباري : سمعت أبا العباس يقول : هو حال للمصباح ، والزجاجة ، والكوكب ، كأنه قيل : وهي في بيوت ، وعلى هذه الأقوال لا يوقف على
عَلِيمٌ
وقيل : متعلق بما بعده ، وهو يسبح الآتي ، أي : يسبح رجال في بيوت ، وعلى هذا يكون قولها فيها ؛ تكريرا للتوكيد ، والتذكير ، والإيذان بأن التقديم للاهتمام ، لا لقصر التسبيح على الوقوع في البيوت فقط .
وقيل : متعلق بمحذوف ، أي : سبّحوه في بيوت ، وعلى هذين القولين يوقف على
عَلِيمٌ
فهذه ستة أوجه ذكرها السمين ، وغيره . وقيل : إنه منفصل عما قبله ، كأنه قال تعالى : اللّه في بيوت أذن اللّه أن ترفع . قال الحكيم الترمذي : وبذلك جاءت الأخبار أنه من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه ، وقد قيل على تقدير تعلقه بمشكاة أو بمصباح ، أو بيوقد ، ما الوجه في توحيد المصباح ، والمشكاة ، وجمع البيوت ، ولا