المكرهات على التثبت في التجافي عنه والتشديد في تحذير المكرهين ، ببيان أنهن حيث كن عرضة للعقوبة ، لولا أن تداركتهن المغفرة والرحمة مع قيام العذر في حقهن ، فما حال من يكرههن في استحقاق العقاب ، وقيل : إن المعنى غفور رحيم لهم ، إما مطلقا أو بشرط التوبة ، ولما فرغ سبحانه من بيان تلك الأحكام شرع في وصف القرآن بصفات ثلاث فقال :
[ سورة النور ( 24 ) : الآيات 34 إلى 36 ]
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 34 ) اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 35 ) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 36 )
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
فالأولى أنه آيات بينات أي واضحات في أنفسهن تصدقها الكتب المتقدمة والعقول المستقيمة ، أو موضحات ومبينات فيدخل فيها الآيات المذكورة في هذه السورة دخولا أوليا ، والصفة الثانية كونه مثلا من الذين خلوا من قبل هؤلاء . أي خبرا عجيبا كائنا من جهة أمثال الذين مضوا من القصص العجيبة ، والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة .
فإن العجب من قصة عائشة هو كالعجب من قصة يوسف ومريم ، وما اتهما به ثم تبين بطلانه وبراءتهما سلام اللّه عليهما ، والصفة الثالثة كونه موعظة ينتفع بها المتقون خاصة ، فإن اللّه قد ختم على قلوب غيرهم ، وجعل على أبصارهم غشاوة عن سماع المواعظ ، والاعتبار بقصص الذين خلوا ، وفهم ما تشتمل عليه الآيات البينات ،
ثم أردف اللّه وصف القرآن بكونه سبحانه في غاية الكمال ونهاية الجمال ، فقال :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
مستأنفة لتقرير ما قبلها ، قال البيضاوي : النور في الأصل كيفية تدركها الباصرة أولا ، وتدرك بواسطتها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما ، وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على اللّه تعالى ، إلا بتقدير مضاف أي ذو نور السماوات كقولك زيد عدل .
أو يكون المراد المبالغة في وصفه سبحانه بأنه نور لكمال جلاله وظهور عدله وبسطة أحكامه ، كما يقال فلان نور البلد ، وقمر الزمن ، وشمس العصر ، قيل ومعنى النور في اللغة الضياء . وهو الذي يبين الأشياء ويري الأبصار حقيقة ما تراه فيجوز إطلاق النور على اللّه على طريقة المدح . ولكونه أوجد الأشياء المنورة . وأوجد