تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 586

مساهمون:

ص٥٨٦
مؤونتهم على المسلمين ، وذهب إلى الأول ابن عمر ، وابن زيد ، واختاره مالك ، والشافعي والفراء والزجاج . قال الفراء : يقول إن رجوتم عندهم وفاء ، وتأدية للمال وقال الزجاج : لما قال :
فِيهِمْ
كان الأظهر الاكتساب والوفاء وأداء الأمانة وقال النخعي : إن الخير الدين ، والأمانة ، وروي مثل هذا عن الحسن . وقال عبيدة السلماني : إقامة الصلاة قال الطحاوي : وأقول من قال إنه المال لا يصح عندنا ، لأن العبد مال لمولاه ، فكيف يكون له مال ، قال : والمعنى عندنا إن علمتم فيهم الدين والصدق . قال أبو عمرو بن عبد البر : من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال إن علمتم فيهم مالا ، وإنما يقال علمت فيه الخير والصلاح والأمانة ، ولا يقال علمت فيه المال ، هذا حاصل ما وقع من الاختلاف بين أهل العلم ، في الخير المذكور في هذه الآية وإذا تقرر لك هذا فاعلم أنه قد ذهب إلى ظاهر ما يقتضيه الأمر المذكور في الآية من الوجوب عكرمة وعطاء ومسروق ، وعمرو بن دينار ، والضحاك ، وأهل الظاهر ، فقالوا : يجب على السيد أن يكاتب مملوكه إذا طلب منه ذلك ، وعلم فيه خيرا ، وقال الجمهور من أهل العلم ، لا يجب ذلك ، وتمسكوا بالإجماع على أنه لو سأل العبد سيده أن يبيعه من غيره لم يجب عليه ذلك ، ولم يجبر عليه ، فكذا الكتابة لأنها معاوضة . ولا يخفاك أنه حجة واهية ، وشبهة داحضة ، والحق ما قاله الأولون وبه قال عمر وابن عباس واختاره ابن جرير عن أنس بن مالك قال : سألني سيرين المكاتبة فأبيت عليه ، فأتى عمر بن الخطاب فأقبل علي بالدرة وقال : كاتبه وتلا
فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً
فكاتبته قال ابن كثير إن إسناده صحيح . وعن يحيى بن كثير قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم : « إن علمتم فيهم حرفة ، ولا ترسلوهم كلّا على الناس » . أخرجه أبو داود في المراسيل ، والبيهقي في سننه . ولا تجوز الكتابة على أقل من نجمين عند الشافعي ، وجوزها أبو حنيفة إلى نجم واحد ، وقيل : إن الأمر مطلق ، فيجوز حالا ، ومؤجلا ، ومنجما ، وغير منجم . ثم أمر سبحانه الموالي بالإحسان إلى المكاتبين فقال :
وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ
ففي هذه الآية الأمر للمالكين بإعانة المكاتبين على مال الكتابة ، إما بأن يعطوهم شيئا من المال أو بأن يحطوا عنهم مما كوتبوا عليه . وظاهر الآية عدم تقدير ذلك بمقدار ، وقيل : الثلث ، وقيل الربع ، وقيل : العشر . ولعل وجه تخصيص الموالي بهذا الأمر هو كون الكلام فيهم ، وسياق الكلام معهم ، فإنهم هم المأمورون بالكتابة . وقال الحسن والنخعي وبريدة : إن الخطاب بقوله :
وَآتُوهُمْ
لجميع الناس .