تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 588

مساهمون:

ص٥٨٨
وهو بعيد . فقد قال الحبر ابن عباس : إن المراد بالتحصن : التعفف ، والتزوج ، وتابعه على ذلك غيره . أخرج مسلم ، وسعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة ، وغيرهم ، عن جابر بن عبد اللّه قال : كان عبد اللّه بن أبيّ يقول لجارية له : اذهبي فابغينا شيئا ، وكانت كارهة ، فأنزل اللّه هذه الآية « 1 » . وذكر مسلم في صحيحه عن جابر أن جارية لعبد اللّه بن أبي يقال لها مسيكة ، وأخرى يقال لها : أميمة ، وكان يريدهما على الزنا فشكتا ذلك إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، فأنزل اللّه هذه الآية « 2 » . وأخرج البزار ، وغيره ، عن أنس نحو حديث جابر الأول ، وعن علي بن أبي طالب قال : كان أهل الجاهلية يبغين إماؤهم فنهوا عن ذلك في الإسلام ، وعن ابن عباس قال : كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا يأخذون أجورهن فنزلت الآية ، وقد ورد النهي منه صلّى اللّه عليه وآله وسلم عن مهر البغي ، وكسب الحجام ، وحلوان الكاهن « 3 » ، ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله :
لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا
وهو ما تكسبه الأمة بفرجها ، وهذا التعليل خارج مخرج الغالب ، والمعنى : أن هذا الغرض هو الذي كان يحملهم على إكراه الإماء على البغاء في الغالب ، لأن إكراه الرجل لأمته على البغاء ، لا لفائدة له أصلا ، لا يصدر مثله عن العقلاء ، فلا يدل هذا التعليل على أنه يجوز له أن يكرهها ، إذا لم يكن مبتغيا بإكراهها عرض الحياة الدنيا ، وقيل إن هذا التعليل للإكراه هو باعتبار أن عادتهم كانت كذلك ، لا أنه مدار للنهي عن الإكراه لهن ، وهذا يلاقي المعنى الأول ، ولا يخالف .
وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ
هذا مقرر لما قبله ، ومؤكد له ، والمعنى أن عقوبة الإكراه راجعة إلى المكرهين لا إلى المكرهات ، كما تدل عليه قراءة ابن مسعود وغيره ، فإن اللّه غفور رحيم لهن . قيل وفي هذا التفسير بعد ، لأن المكرهة على الزنا غير آثمة ، وأجيب بأنها وإن كانت مكرهة فربما لا تخلو في تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة ، وإما بحكم الجبلة البشرية ، أو بكون الإكراه قاصرا عن حدّ الإلجاء المزيل للاختيار بالمرة ، وإما لغاية تهويل أمر الزنا وحث
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في التفسير حديث 26 . ( 2 ) أخرجه مسلم في التفسير حديث 27 . ( 3 ) أخرجه البخاري في البيوع باب 113 ، والإجارة باب 20 ، والطلاق باب 51 ، والطب باب 51 ، واللباس باب 96 ، ومسلم في المساقاة حديث 40 ، 41 ، وأبو داود في البيوع باب 63 ، والترمذي في البيوع باب 46 ، والنكاح باب 37 ، والطب باب 23 ، والنسائي في البيوع باب 91 ، والصيد باب 30 ، 32 ، ومالك في البيوع حديث 68 ، والدارمي في البيوع باب 78 ، 79 ، وأحمد في المسند 2 / 299 ، 332 ، 347 ، 415 ، 500 ، 4 / 341 .