وقال زيد بن أسلم : إن الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم ، كما في قوله سبحانه :
وَفِي الرِّقابِ
[ البقرة : 177 ] ، وللمكاتب أحكام معروفة إذا وفى ببعض مال الكتابة ، قال ابن عباس : أي : ضعوا عنهم من مكاتبتهم ، وعن نافع قال : كان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة ، ويقول : تطعمني من أوساخ الناس وعن ابن عباس في الآية قال : أمر اللّه المؤمنين أن يعينوا في الرقاب .
وعن علي بن أبي طالب : أمر اللّه السيد أن يدع للمكاتب الربع من ثمنه ، وهذا تعليم من اللّه ليس بفريضة ، ولكن فيه أجرا . وقال صاحب الجمل : إن الأمر للوجوب . وعن بريدة في الآية قال : حث الناس على أن يعطوه ، ثم إنه سبحانه لما أرشد الموالي إلى نكاح الصالحين من المماليك ، نهى المسلمين عما كان يفعله أهل الجاهلية من إكراه إمائهم على الزنا فقال :
وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ
المراد بالفتيات هنا الإماء وإن كان الفتى والفتاة قد يطلقان على الأحرار في مواضع أخر ، والفتى : الشاب ، والفتاة : الشابة ، والبغاء بالكسر والمد ، مصدر بغت المرأة تبغي بغاء ، إذا زنت ، وفجرت ، وهذا مختص بزنا النساء ، فلا يقال : للرجل إذا زنى : إنه بغى . قاله الأزهري . والجمع :
البغايا ، والبغيّ القينة ، وإن كانت عفيفة ، لثبوت الفجور لها في الأصل ، قاله الجوهري ، ولا يراد به الشتم لأنه اسم جعل كاللقب . والأمة تباغي ، أي : تزاني ، وشرط اللّه سبحانه هذا النهي بقوله :
إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً
لأن الإكراه لا يتصور ، ولا يكون إلا عند إرادتهن للتحصن ، فإن من لم ترد التحصن لا يصح أن يقال لها مكرهة على الزنا ، والمراد بالتحصن هنا التعفف والتزوج ، وقيل : إن هذا القيد راجع إلى الأيامى . قال الزجاج ، والحسن بن الفضل : في الكلام تقديم ، وتأخير ، أي :
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ
[ النور : 32 ] ، والصالحين من عبادكم وإمائكم ، إن أردن تحصنا . وقيل : إن هذا الشرط ملغى ، وقيل : إن هذا الشرط باعتبار ما عليه ، فإنهم كانوا يكرهونهن ، وهن يردن التعفف ، وليس لتخصيص النهي بصورة إرادتهن التعفف عن الزنا ، وقيل : إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب لأن الغالب أن الإكراه لا يكون إلا عند إرادة التحصن ، فلا يلزم منه جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصن ، وهذا الوجه أقوى هذه الوجوه .
فإن الأمة قد تكون غير مريدة للحلال ، ولا للحرام ، كما فيمن لا رغبة لها في النكاح ، والصغيرة ، فتوصف بأنها مكرهة على الزنا مع عدم إرادتها للتحصن ، فلا يتم ما قيل من أنه لا يتصور الإكراه إلا عند إرادة التحصن إلا أن يقال إن المراد بالتحصن هنا مجرد التعفف ، وإنه لا يصدق على من كانت تريد الزواج أنها مريدة للتحصن ،