تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 584

مساهمون:

ص٥٨٤
قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « ثلاثة حق على اللّه عونهم الناكح يريد العفاف ، والمكاتب يريد الأداء والغازي في سبيل اللّه » « 1 » . وقد ورد في الترغيب في مطلق النكاح أحاديث كثيرة ليس هذا موضع ذكرها والمراد بالأيامى ههنا الأحرار والحرائر وأما المماليك فقد بين ذلك بقوله :
وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ
وقرىء عبيدكم والصلاح هو الإيمان وقيل القيام بحقوق النكاح حتى يقوم العبد بما يلزم بها وتقوم الأمة بما يلزم للزوج ، أو المراد بالصلاح أن لا تكون صغيرة لا تحتاج إلى النكاح ، وخص الصالحين بالذكر ليحصن دينهم ويحفظ عليهم صلاحهم ، ولأن الصالحين منهم هم الذين مواليهم يشفقون عليهم وينزلونهم منزلة الأولاد في المودة ، وكانوا مظنة التوصية والاهتمام بهم ، ومن ليس بصالح فحاله على العكس من ذلك ، وذكر سبحانه الصلاح في المماليك دون الأحرار لأن الغالب في الأحرار الصلاح بخلاف المماليك . وفيه دليل على أن المملوك لا يزوج نفسه وإنما يزوجه ويتولى تزويجه مالكه وسيده ، وقد ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح وقال مالك لا يجوز ، ثم رجع سبحانه إلى الكلام في الأحرار فقال :
إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
أي لا تمتنعوا من تزويج الأحرار بسبب فقر الرجل والمرأة أو أحدهما مالا فإنهم إن يكونوا فقراء يغنهم اللّه سبحانه ويتفضل عليهم بذلك ، فإن في فضل اللّه غنية عن المال فإنه غاد ورائح ، قال الزجاج : حث اللّه على النكاح وأعلم أنه سبب لنفي الفقر ولا يلزم أن يكون هذا حاصلا لكل فقير إذا تزوج فإن ذلك مقيد بالمشيئة ، وقد يوجد في الخارج كثير من الفقراء لا يحصل لهم الغنى إذا تزوجوا ، وقيل المعنى أنه يغنيهم بغنى النفس أي القناعة ، وقيل المعنى إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم اللّه من فضله بالحلال ليتعففوا عن الزنا ، والوجه الأول أولى ويدل عليه قوله سبحانه :
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ
[ التوبة : 28 ] فيحمل المطلق هنا على المقيد هناك . وقيل هو اجتماع الرزقين رزق الزوج والزوجة ، وقيل إنّ اللّه وعد الغنى بالنكاح وبالتفرق وهو قوله :
وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ
[ النساء : 130 ] وجملة
وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ
مقررة لما قبلها ومؤكدة والمراد أنه سبحانه ذو سعة لا ينقص من سعة ملكه غنى من يغنيه من عباده ، عليم بمصالح خلقه ، يغني من يشاء ويفقر من يشاء ثم ذكر سبحانه حال العاجزين عن النكاح بعد بيان جواز مناكحتهم إرشادا لهم إلى ما هو الأولى فقال :
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في فضائل الجهاد باب 20 ، والنسائي في النكاح باب 5 .