تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 574

مساهمون:

ص٥٧٤
مع تحريمه على غيرهم لكون قطع ذرائع الزنا التي منها النظر هم أحق بها من غيرهم ، وأولى بذلك ممن سواهم ، وقيل : إن في الآية دليلا على أن الكفار غير مخاطبين بالشرعيات كما يقوله بعض أهل العلم ، وفي الكلام حذف ، والتقدير : قل للمؤمنين غضوا يغضوا ، ومعنى غض البصر إطباق الجفن على العين بحيث يمنع الرؤية ، و
مِنْ
هي التبعيضية ، وإليه ذهب الأكثرون وعليه اقتصر القاضي كالكشاف ، وبينوه بأن المعنى غض البصر عما يحرم ، والاقتصار به على ما يحل . وقيل وجه التبعيض أنه يعفى للناظر ، أول نظرة تقع من غير قصد ، وقال الأخفش : إنها زائدة ، وأنكر ذلك سيبويه . وقيل : إنها لبيان الجنس قاله أبو البقاء ، واعترض عليه بأنه لم يتقدم مبهم حتى يكون مفسرا ب
مِنْ
وقيل إنها لابتداء الغاية ، قاله ابن عطية ، وعليه اقتصر أبو حيان في النهر ، وقيل : الغض : النقصان ، يقال . غض فلان من فلان ، أي : وضع منه . فالبصر إذا لم يمكن من عمله فهو مغضوض منه ، ومنقوص ، فتكون
مِنْ
صلة للغض ، وليست لمعنى من تلك المعاني الأربعة ، وفي هذه الآية دليل على تحريم النظر إلى غير من يحل النظر إليه . قال ابن عباس : يغضوا أبصارهم يعني من شهواتهم ، مما يكره اللّه . وأخرج أبو داود ، والترمذي ، والبيهقي في سننه ، عن بريدة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لا تتبع النظرة النظرة فإن الأولى لك وليست لك الأخرى » « 1 » . وفي مسلم ، وأبي داود ، والترمذي ، والنسائي ، عن جرير البجلي قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف « 2 » . وفي الصحيحين ؛ وغيرهما ؛ من حديث أبي سعيد قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم : « إياكم والجلوس على الطرقات » ! قالوا : يا رسول اللّه ما لنا بدّ من مجالسنا نتحدث فيها ! فقال : « إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه » . قالوا : وما حقه يا رسول اللّه ؟ قال : « غض البصر ؛ وكف الأذى ؛ ورد السلام ؛ والأمر بالمعروف ؛ والنهي عن المنكر » « 3 » .
وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ
أي يجب عليهم حفظها عما يحرم عليهم ولا يحل لهم . وقيل المراد ستر فروجهم عن أن يراها من لا تحل له رؤيتها ، ولا مانع من إرادة المعنيين ، فالكل يدخل تحت حفظ الفرج ، وقيل وجه المجيء بمن في الأبصار دون
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في النكاح باب 43 ، والترمذي في الأدب باب 28 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الآداب حديث 45 ، وأبو داود في النكاح باب 43 ، والترمذي في الأدب باب 28 ، وأحمد في المسند 4 / 358 ، 361 . ( 3 ) أخرجه البخاري في المظالم باب 22 ، والاستئذان باب 2 ، ومسلم في اللباس حديث 114 ، وأبو داود في الأدب باب 12 ، وأحمد في المسند 3 / 36 ، 47 ، 61 .