والبهتان ؛ وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسوله . والتنبيه على أنافة محله صلى اللّه عليه وآله وأصحابه أجمعين .
ثم ختم سبحانه الآيات الواردة في أهل الإفك بكلمة جامعة فقال :
[ سورة النور ( 24 ) : الآيات 26 إلى 30 ]
الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 26 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 27 ) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 28 ) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ ( 29 ) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ ( 30 )
الْخَبِيثاتُ
من النساء
لِلْخَبِيثِينَ
من الرجال أي مختصات بهم لا يكدن يتجاوزنهم إلى غيرهم ، كلام مستأنف مؤسس على قاعدة السنة الإلهية الجارية فيما بين الخلق . على موجب أن اللّه تعالى ملكا يسوق الأهل إلى أهلها
وَ
كذا
الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ
أي مختصون بهن لا يتجاوزنهن لأن المجانسة من دواعي الانضمام .
وَ
هكذا
الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ
قال مجاهد ، وسعيد بن جبير وعطاء وأكثر المفسرين : المعنى الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال ، والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلمات ، والكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس ، والطيبون من الناس للطيبات من الكلمات ، وعن ابن عباس مثله ، وزاد نزلت في الذين قالوا في زوجة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما قالوا من البهتان ، وعن قتادة نحوه ، وكذا روي عن جماعة من التابعين قال النحاس : وهذا أحسن ما قيل . قال الزجاج : ومعناه لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء ، ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء ، وهذا ذم للذين قذفوا عائشة بالخبث ، ومدح للذين برءوها .
وقيل : إن هذه الآية مبنية على قوله :
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً
[ النور : 3 ] فالخبيثات الزواني ، والطيبات العفائف ، وكذا الخبيثون والطيبون ، وعن ابن زيد قال :
نزلت في عائشة حين رماها المنافقون بالبهتان ، والفرية فبرأها اللّه من ذلك ، وكان ابن أبيّ هو الخبيث ؛ وكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة ، ويكون هو لها ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم طيبا فكان أولى أن تكون له الطيبة ، وكانت عائشة الطيبة ، وكانت أولى بأن يكون لها الطيب .
أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ
الإشارة إلى الطيبين والطيبات ، أي هم مبرؤون