تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 568

مساهمون:

ص٥٦٨
فعل ، وأن اللّه سبحانه ينطقها بالشهادة عليهم ، والمشهود به محذوف . وهو ذنوبهم التي اقترفوها ، أي تشهد هذه عليهم بذنوبهم التي اقترفوها ومعاصيهم التي عملوها . أخرج الطبراني ، وأبو يعلى ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، عن أبي سعيد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم ، فيقال احلفوا فيحلفون . ثم يصمتهم اللّه وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ، ثم يدخلهم النار » ، وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من طريق جماعة من الصحابة ما يتضمن شهادة الجوارح على العصاة .
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ
أي يوم تشهد عليهم جوارحهم بأعمالهم القبيحة يعطيهم اللّه جزاءهم عليها موفرا . فالمراد بالدين هنا الجزاء بالحق الثابت الذي لا شك في ثبوته ، قرىء يوفيهم من أوفى مخففا ، ومن وفّى مشددا ، وقرىء الحق بالرفع على أنه نعت للّه ، وروي ذلك عن ابن مسعود رضي اللّه عنه ، وبالنصب على أنه نعت لدينهم ، قال أبو عبيدة : ولولا كراهة خلاف الناس لكان الوجه الرفع ، ليكون نعتا للّه عز وجل ، وليكون موافقا لقراءة أبي ، وذلك أن جرير بن حازم قال : رأيت في مصحف أبيّ : يوفيهم اللّه الحق دينهم ، قال النحاس : وهذا الكلام من أبي عبيدة غير مرضي ، لأنه احتج بما هو مخالف للسواد الأعظم ، ولا حجة أيضا فيه ، لأنه لو صح أنه في مصحف أبيّ كذلك ، لجاز أن يكون دينهم بدلا من الحق وعن ابن عباس قال : دينهم أي حسابهم ، وكل شيء في القرآن الدين فهو الحساب وأخرج الطبراني وغيره عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ يومئذ يوفيهم اللّه الحق دينهم .
وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ
أي يعلمون عند معاينتهم لذلك ، ووقوعه على ما نطق به الكتاب العزيز ، أن اللّه هو الحق الثابت في ذاته وصفاته ، وأفعاله
الْمُبِينُ
المظهر للأشياء كما هي في أنفسها ، وإنما سمي سبحانه الحق لأن عبادته هي الحق دون عبادة غيره ؛ وقد سمي بالحق أي الموجود لأن نقيضه الباطل ، وهو المعدوم ، وتفسيره بظهور ألوهيته تعالى وعدم مشاركة الغير له فيها ، وعدم قدرة ما سواه على الثواب والعقاب ، ليس له كثير مناسبة للمقام ، ولم يغلظ اللّه سبحانه وتعالى ؛ في القرآن في شيء من المعاصي تغليظه في إفك عائشة . فأوجز في ذلك وأشبع ، وفصل وأجمل ، وأكد وكرر ؛ وما ذلك إلا ما روي عن ابن عباس من أذنب ذنبا ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة ، وهذا منه تعظيم ومبالغة في أمر الإفك . ولقد برأ اللّه تعالى أربعة بأربعة ، برأ يوسف بشاهد من أهلها ، وموسى بالحجر الذي ذهب بثوبه ، ومريم بإنطاق ولدها ، وعائشة بهذه الآي العظام في كتابه المعجز ؛ المتلو على وجه الدهر ، بهذه المبالغات ؛ فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك حيث لم يرض لها ببراءة صبي ولا نبي . حتى برأها بكلامه من القذف
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 568 | صديق الحسيني القنوجي البخاري