تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
والمراد بالقول القرآن . ومثله
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
[ النساء : 82 ] . والثاني قوله :
أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ
أم هي المنقطعة ، أي بل أجاءهم من الكتاب فكان ذلك سببا لاستكبارهم للقرآن ، والمقصود تقرير أنه لم يأت آباءهم الأولين رسول فلذلك أنكروه ومثله قوله :
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ
[ يس : 6 ] . وقيل إنه أتى آباءهم الأقدمين رسل ، أرسل اللّه إليهم كما هي سنة اللّه سبحانه في إرسال الرسل إلى عباده ، فقد عرف هؤلاء ذلك ، فكيف كذبوا هذا القرآن ؟ وقيل المعنى أم جاءهم من الأمن من عذاب اللّه ما لم يأت آباءهم الأولين كإسماعيل ومن بعده . والثالث قوله :
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
وفي هذا إضراب وانتقال من التوبيخ بما تقدم إلى التوبيخ بوجه آخر ، أي بل ألم يعرفوه ، بالأمانة والصدق فأنكروه ، ومعلوم أنهم قد عرفوه بذلك ، عن أبي صالح قال : عرفوه ولكنهم حسدوه . والرابع قوله :
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ
هذا أيضا انتقال من توبيخ إلى توبيخ أي بل أيقولون به جنون ؟ مع أنهم قد علموا أنه أرجح الناس عقلا وأثقبهم ذهنا وأوجههم لبا ، ولكنه جاء بما يخالف هواهم ، فدفعوه وجحدوه تعصبا وحمية ، وسيأتي خامس في قوله :
أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً
، ثم أضرب سبحانه عن ذلك كله فقال :
بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ
أي ليس الأمر كما زعموا في حق القرآن والرسول ، بل جاءهم متلبسا بالحق ، والحق هو الدين القويم ، أو القرآن المشتمل على التوحيد وشرائع الإسلام ، وعن أبي صالح قال : الحق هو اللّه عز وجل .
وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
لما جبلوا عليه من التعصب والانحراف عن الصواب والبعد عن الحق ، فلذلك كرهوا هذا الحق الواضح الظاهر ، والمراد بالحق هنا أعم من الأول ؛ فلذلك أتى به مظهرا في مقام المضمر ، وظاهر النظم القرآني أنّ أقلهم كانوا لا يكرهون الحق ولكنهم لم يظهروا الإيمان خوفا من الكارهين له أو لقلة فطنتهم وعدم فكرتهم لا لكراهة الحق .
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ
مستأنفة لبيان أنه لو جاء الحق على ما يهوونه ويريدونه من الشريك والولد للّه تعالى لكان ذلك مستلزما للفساد العظيم وخروج نظام العالم عن الصلاح بالكلية ، وهو معنى قوله :
لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
قال ابن جريج ومقاتل والسدي : الحق هو اللّه ؛ والمعنى لو جعل اللّه مع نفسه كما تحبون شريكا لفسدت هي
وَمَنْ فِيهِنَّ
وقال الفراء والزجاج : الحق القرآن ، أي لو نزل القرآن بما يحبون من الشرك لفسد نظام العالم ، وقيل المعنى لو كان الحق ما يقولون من اتخاذ الآلهة مع اللّه لاختلفت الآلهة ، ومثل ذلك قوله :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] لوجود التمانع في الشيء عادة عند تعدد الحاكم وقد ذهب إلى القول الأول الأكثرون ، ولكنه يرد