تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
والظلم ، وقيل المراد بالكتاب اللوح المحفوظ ، فإنه قد كتب فيه كل شيء ، وقيل المراد القرآن ، والأول أولى ، وفي هذه الآية تشبيه للكتاب ممن يصدر عنه البيان بالنطق بلسانه ، فإن الكتاب يعرب عما فيه ؛ كما يعرب الناطق المحق . والمعنى ينطق متلبسا بالحق ، وجملة
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
مبينة لما قبلها من تفضله تعالى وعدله في جزاء عباده أي النفوس العاملة لا يظلمون شيئا منها بنقص ثواب أو بزيادة عقاب ، ومثله قوله سبحانه :
وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
[ الكهف : 49 ] والجمع باعتبار عموم النفس لوقوعها في سياق النفي ثم أضرب سبحانه عن هذا فقال :
بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ
أي بل قلوب الكفار في غمرة غامرة لها
مِنْ هذا
الكتاب الذي ينطق بالحق أو عن الأمر الذي عليه المؤمنون يقال غمره الماء إذا غطاه ، ونهر غمر يغطّي من دخله ، والمراد بها هنا الغطاء والغفلة أو الحيرة والعمى والجهالة ، قال ابن عباس : يعني بالغمرة الكفر والشك .
وَلَهُمْ
أي للكفار
أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ
قال ابن عباس : يقول أعمال سيئة دون الشرك منها إقامة إمائهم في الزنا ، وقال قتادة ومجاهد : أي لهم خطايا لا بد أن يعملوها من دون الحق . وقال الحسن وابن زيد : لهم أعمال سيئة لم يعملوها من دون ما هم عليه لا بد أن يعملوها فيدخلون النار ، والمراد بال
دُونِ
الغير أي الضد أي أن لهم أعمالا مضادة ومخالفة لأوصاف المؤمنين ، وقيل الإشارة بقوله : ذلك إما إلى أعمال المؤمنين ، أو إلى أعمال الكفار أي لهم أعمال من دون أعمال المؤمنين ، التي ذكرها اللّه ، أو من دون أعمال الكفار التي تقدم ذكرها من كون قلوبهم في غفلة عظيمة مما ذكر ، وهي فنون كفرهم ومعاصيهم التي من جملتها ما سيأتي من طعنهم في القرآن . قال الواحدي : إجماع المفسرين وأصحاب المعاني على أن هذا إخبار عما سيعملونها من أعمالهم الخبيثة ؛ التي كتبت عليهم لا بد لهم أن يعملوها وجملة
هُمْ لَها عامِلُونَ
مقررة لما قبلها أي واجب عليهم أن يعملوها فيدخلوا بها النار لما سبق لهم في الأزل من الشقاوة لا محيص لهم عن ذلك أي مستمرون عليها ؛ ثم رجع سبحانه إلى وصف الكفار فقال :
حَتَّى
ابتدائية أو حرف جر أو غائية عاطفة ، أقوال
إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ
مبينة لما قبلها ، والضمير راجع إلى ما تقدم ذكره من الكفار ، والمراد بالمترفين المتنعمون منهم وهم الذين أمدهم اللّه بما تقدم ذكره من المال والبنين أو المراد بهم الرؤساء منهم ، والمراد بالعذاب هو عذابهم بالسيف يوم
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 528 | صديق الحسيني القنوجي البخاري