تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
بدر ، أو الجوع بدعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم حيث قال : « اللّهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف » « 1 » . وقيل المراد عذاب الآخرة ورجح هذا بأن ما يقع منهم من الجؤار إنما يكون عند عذاب الآخرة لأنه الاستغاثة باللّه ، ولم يقع منهم ذلك يوم بدر ولا في سني الجوع ، ويجاب عنه بأن الجؤار في اللغة الصراخ والصياح . قال الجوهري : الجؤار مثل الخوار ، يقال : جأر الثور يجأر أي صاح وقد وقع منهم ومن أهلهم وأولادهم عند أن عذبوا بالسيف يوم بدر ، وبالجوع في سني الجوع ، وليس الجؤار هنا مقيدا بالجؤار الذي هو التضرع بالدعاء حتى يتم ما ذكره هذا القائل وجملة
إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ
جواب الشرط وإذا هي الفجائية والمعنى حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب فأجاؤوا الصراخ . قال ابن عباس : يجأرون يستغيثون أي بربهم ، ويلتجئون إليه في كشف العذاب عنهم ، ومع ذلك لا ينفعهم ، ولذلك أخبر سبحانه أنه يقال لهم حينئذ على جهة التبكيت
لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ
فالقول مضمر والجملة مسوقة لتبكيتهم وإقناطهم وقطع أطماعهم . وخصص سبحانه المترفين مع أن العذاب لاحق بهم جميعا واقع على مترفيهم وغير مترفيهم لبيان أنهم بعد النعمة التي كانوا فيها صاروا إلى حالة تخالفها وتباينها ، فانتقلوا من النعيم التام إلى الشقاء الخالص ، وخص اليوم بالذكر للتهويل والمعنى لا تصيحوا ولا تضجوا ولا تضجروا ولا تجزعوا ولا تستغيثوا . والجؤار الصراخ باستغاثة . وفي القاموس جأر كمنع جأرا وجؤارا رفع صوته بالدعاء وتضرع واستغاث ، والبقرة والثور صاحا ، والنبات طال ، والأرض طال نبتها .
إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ
تعليل للنهي عن الجؤار ، والمعنى إنكم من عذابنا لا تمنعون ولا ينفعكم جزعكم . وقيل المعنى لا يلحقكم من جهتنا نصرة تمنعكم مما دهمكم من العذاب ، ثم عدد اللّه سبحانه عليهم قبائحهم توبيخا لهم فقال :
قَدْ كانَتْ آياتِي
أي القرآن
تُتْلى عَلَيْكُمْ
في الدنيا
فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ
أي ترجعون وراءكم . قال ابن عباس : تدبرون ؛ وأصل النكوص أن يرجع القهقرى ؛ أي إلى جهة الخلف ، وهو أقبح المشيات لأنه لا يرى ما وراءه ، وهو هنا
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الأذان باب 128 ، والاستسقاء باب 2 ، والجهاد باب 98 ، والأنبياء باب 19 ، وتفسير سورة 3 ، باب 9 ، وسورة 4 ، باب 21 ، والأدب باب 110 ، والإكراء ، في المقدمة ، ومسلم في المساجد حديث 294 ، 295 ، وأبو داود في الصلاة باب 216 ، والوتر باب 10 ، والنسائي في التطبيق باب 27 ، وابن ماجة في الإقامة باب 145 ، وأحمد في المسند 2 / 239 ، 255 ، 271 ، 418 ، 470 ، 502 ، 521 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 529 | صديق الحسيني القنوجي البخاري