أعمالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، وهو تخويف للرسل ، والمقصود أممهم . أخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا أيها الناس إن اللّه طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن اللّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال :
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا
» الآية . وقال : «
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
[ البقرة : 172 ] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ؛ ومطعمه حرام ومشربه حرام ، وملبسه حرام وغذي بالحرام ، يمد يديه إلى السماء : يا رب يا رب ، فأنّى يستجاب لذلك » « 1 » وعن حفص الفزاري قال : ذلك عيسى ابن مريم ، كان يأكل من غزل أمه وهو مرسل لأن حفصا تابعي .
وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
هذا من جملة ما خوطب به الأنبياء ، والمعنى واعلموا أن هذه ملتكم وشريعتكم - أيها الرسل - ملة واحدة وشريعة متحدة ، يجمعها أصل هو أعظم ما بعث اللّه به أنبياءه وأنزل فيه كتبه ، وهو دعاء جميع الأنبياء إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له . والمراد بها على هذه العقائد ، إذ هي التي اتحدت في كل الشرائع ، أما الأحكام الفرعية فقد اختلفت باختلاف الشرائع ، وقيل المعنى إن هذا الذي تقدم ذكره هو دينكم وملتكم فالزموه . على أن المراد بالأمة هنا الدين كما في قوله :
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ
[ الزخرف : 22 ] .
وقال الخليل : أي أنا عالم بأن هذا دينكم الذي أمرتكم أن تؤمنوا به . قال الفراء : « واعلموا أن هذه أمتكم » وقال سيبويه « فاتقون لأن أمتكم أمة واحدة » وإنما أشير إليها ب
هذِهِ
للتنبيه على كمال ظهور أمرها في الصحة والسداد وانتظامها بسبب ذلك في سلك الأمور المشاهدة ، والفاء في
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ
لترتيب الأمر بالتقوى على ما قبله من كونه ربكم المختص بالربوبية ، أي لا تفعلوا ما يوجب العقوبة عليكم مني بأن تشركوا بي غيري ، أو تخالفوا ما أمرتكم به أو نهيتكم عنه :
ثم ذكر سبحانه ما وقع من الأمم من مخالفتهم لما أمرهم به الرسل فقال :
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً
الفاء لترتيب عصيانهم على ما سبق من الأمر بالتقوى ، والضمير يرجع إلى ما يدل عليه لفظ الأمة . والمعنى أنهم جعلوا دينهم مع اتحاده قطعا متفرقة وأديانا مختلفة . قال المبرد : زبرا فرقا وقطعا مختلفة ، واحدها زبور ؛ وهي الفرقة والطائفة ، ومثله الزبرة وجمعها زبر بالضم والفتح قيل معنى زبرا كتبا ، فوصف سبحانه الأمم بأنهم اختلفوا ، فاتبعت فرقة التوراة وفرقة الزبور وفرقة الإنجيل ؛ ثم حرفوا وبدلوا ، وفرقة مشركة اتبعوا ما رسمه لهم آباؤهم من الضلال ،
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الزكاة حديث 65 ، والترمذي في تفسير سورة 2 ، باب 36 ، والأدب باب 41 ، والدارمي في الرقاق باب 9 ، وأحمد في المسند 2 / 328 .