وإنما جعله سبحانه أباهم لأنه أبو العرب قاطبة ، ولأن له عند غير العرب الذين لم يكونوا من ذريته حرمة عظيمة كحرمة الأب على الابن لكونه أبا لنبيهم صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال السديّ : ملة أبيكم أي دين أبيكم .
هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ
أي قبل نزول القرآن في الكتب المتقدمة ، قال ابن عباس : اللّه عز وجل سماكم ، وروي نحوه عن جماعة من التابعين ، وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه ، والترمذي وصححه والنسائي والبيهقي وغيرهم ، عن الحرث الأشعري عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من دعا بدعوى الجاهلية فإنّه من جثيّ جهنم » قال رجل : يا رسول اللّه وإن صام وصلى ؟ قال : نعم فادعوا بدعوة اللّه التي سماكم بها المسلمين والمؤمنين عباد اللّه « 1 » ، وقيل إن الكناية راجعة إلى إبراهيم يعني إبراهيم سماكم المسلمين في أيامه من قبل هذا الوقت وهو قوله :
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
[ البقرة : 128 ] فاستجاب اللّه دعاءه فينا .
وَفِي هذا
أي في حكمه أن من اتبع محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم فهو مسلم ، قال النحاس :
وهذا القول مخالف لقول علماء الأمة ، وقيل أي في القرآن يعني فضلكم على سائر الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم ، ثم علل سبحانه ذلك بقوله :
لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ
يوم القيامة بتبليغه إليكم
وَتَكُونُوا
أنتم
شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
أن رسلهم قد بلغتهم ، فإن تسمية اللّه أو إبراهيم لهم حكم بإسلامهم وعدالتهم وهو سبب لقبول شهادة الرسول الداخل فيهم دخولا أوليا وقبول شهادتهم على الأمم ، قاله الشهاب ، وقد تقدم بيان معنى هذه الآية في البقرة ، ثم أمرهم بما هو أعظم الأركان الإسلامية فقال :
فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
بواجباتها وداوموا عليها
وَآتُوا الزَّكاةَ
بشرائطها وتخصيص الخصلتين بالذكر لمزيد شرفهما
وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ
أي اجعلوه عصمة لكم مما تحذرون والتجئوا إليه في جميع أحوالكم ولا تطلبوا ذلك إلا منه ، وقيل الاعتصام هو التمسك بالكتاب والسنة ، وقيل تمسكوا بدين اللّه ، وقيل ثقوا به تعالى في مجامع أموركم
هُوَ مَوْلاكُمْ
أي ناصركم ومتولي أموركم دقيقها وجليلها
فَنِعْمَ الْمَوْلى
هو
وَنِعْمَ النَّصِيرُ
أي الناصر لكم هو يعني لا مماثل له في الولاية لأموركم ، والنصرة على أعدائكم .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في الأدب باب 78 ، بلفظ : « فإنه من جثا جهنم » ، وأخرجه أحمد في المسند 4 / 130 ، 202 ، 5 / 344 ، بلفظ : « فهو من جثاء جهنّم » .