تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 498

مساهمون:

ص٤٩٨
« موسى بن عمران صفي اللّه » « 1 » قال المحلي : نزل لما قال المشركون :
أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا
[ ص : 8 ] أي وليس بأكبرنا ولا أشرفنا ، والقائل هو الوليد بن المغيرة ، ووجه مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر ما يتعلق بالالهيات ذكر ههنا ما يتعلق بالنبوءات ، وقال الرازي : وجه المناسبة إنه لما أبطل فيما قبلها عبادة الأوثان أبطل ههنا عبادة الملائكة .
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
لأقوال عباده
بَصِيرٌ
بمن يختاره من خلقه
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ
أي ما قدموا من الأعمال ، وما يتركونه من الخير والشر ، كقوله تعالى :
وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ
[ يس : 12 ] وقيل ما مضى ولم يأت وقيل ما عملوا وما سيعملونه أو أمر الدنيا وأمر الآخرة .
وَإِلَى اللَّهِ
لا إلى غيره
تُرْجَعُ الْأُمُورُ
لما تضمن ما ذكره من أن الأمور ترجع إليه ، الزجر لعباده عن معاصيه ، والحض لهم على طاعاته ، صرح بالمقصود فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا
أي صلوا الصلاة التي شرعها اللّه لكم ، لأن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود ، وخص الصلاة لكونها أشرف العبادات ، ثم عمم فقال :
وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ
أي افعلوا جميع أنواع العبادة التي أمركم اللّه بها ، وقيل وحّدوه
وَافْعَلُوا الْخَيْرَ
أي ما هو خير وهو أعم من الطاعة الواجبة والمندوبة وقيل المراد بالخير هنا المندوبات ثم علل ذلك بقوله :
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
أي إذا فعلتم هذه كلها رجوتم الفلاح ، وفي هذا إشارة إلى أن دخول الجنة ليس مرتبا على هذه الأعمال مثلا ، بل هذه الأمور كلفنا اللّه بها شرعا ، وأما قبولها فشئ آخر يتفضل اللّه به علينا ، وهذه الآية من مواطن سجود التلاوة عند الشافعي ومن وافقه ، لا عند أبي حنيفة ومن قال بقوله ، وقد تقدم أن هذه السورة فضلت بسجدتين وهذا دليل على ثبوت السجود عند تلاوة هذه الآية . وقد اختلف في عدة سجود التلاوة فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها أربع عشرة سجدة ، لكن الشافعي رحمه اللّه تعالى قال : في الحج سجدتان ، وأسقط سجدة ص ، وقال أبو حنيفة : في الحج سجدة ، وأثبت سجدة ص ، وقيل خمس عشرة سجدة ، وقال قوم : ليس في المفصل سجدة ، فعلى هذا تكون إحدى عشرة سجدة ، وسجود التلاوة سنة عند الشافعي ؛ وواجب عند أبي حنيفة ، ودلائل الأقوال مبسوطة في مواطنها ، ثم أمرهم بما هو سنة الدين وأعظم أعماله فقال :
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ
أي في ذاته من أجله ، والمراد به الجهاد الأكبر وهو الغزو
هامش
( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 576 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 498 | صديق الحسيني القنوجي البخاري