تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 500

مساهمون:

ص٥٠٠
فيه سبيلا إلى الخلاص من الذنوب ومن العقاب ، وقيل المراد بالدين التوحيد ولا حرج فيه ، بل فيه تخفيف فإنه يكفّر ما قبله من الشرك وإن امتد ولا يتوقف الاتيان به على زمان أو مكان معين . وفي القرطبي . قال العلماء : رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع ؛ وأما السّرّاق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين ، وليس في الشرع أعظم حرجا من إلزام ثبات رجل لاثنين في سبيل اللّه ، لكنه مع صحة اليقين وجودة العزم ليس بحرج ، انتهى . والمعنى الأول أولى ، والظاهر أن الآية أعم من هذا كله فقط حط سبحانه ما فيه مشقة من التكاليف على عباده إما بإسقاطها من الأصل وعدم التكليف بها كما كلف بها غيرهم أو بالتخفيف ، وتجويز العدول إلى بدل لا مشقة فيه أو بمشروعية التخلص عن الذنب بالوجه الذي شرعه اللّه ، وما أنفع هذه الآية وأجل موقعها وأعظم فائدتها ، ومثلها قوله سبحانه :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
[ التغابن : 16 ] وقوله :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
[ البقرة : 185 ] وقوله :
رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ
[ البقرة : 286 ] وفي الحديث الصحيح أنه سبحانه قال : « قد فعلت » كما سبق بيانه في تفسير هذه الآية والأحاديث في هذا كثيرة . وعن عائشة أنها سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن هذه الآية فقال : « الضيق » . وقال أبو هريرة لابن عباس : أما علينا في الدين من حرج في أن نسرق أو نزني ؟ قال : بلى ؛ قال : فما هذه الآية ؟ قال : الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم ، وعن ابن عباس كان يقول : وما جعل عليكم في الدين من حرج ، توسعة الإسلام وما جعل اللّه من التوبة والكفارات ، وعنه قال : هذا في هلال رمضان إذا شك فيه الناس ، وفي الحج إذا شكوا في الأضحى ، وفي الفطر وأشباهه ، وعنه سئل عن الحرج فقال : ادع لي رجلا من هذيل فجاءه فقال : ما الحرج فيكم ؟ قال : الحرجة من الشجر التي ليس فيها مخرج ، فقال ابن عباس : الذي ليس له مخرج ، وفي لفظ قال الهذيلي : الشيء الضيق قال : هو ذاك ، وعن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية ثم قال : ادع لي رجلا من بني مدلج وقال : ما الحرج فيكم ؟ قال : الضيق .
مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ
أي وسع عليكم دينكم توسعة ملة أبيكم قاله الزمخشري وقال الزجاج : المعنى اتبعوا ملة أبيكم ، وبه قال الحوفي ، واتّبعه أبو البقاء ، وقال الفراء : كملة أبيكم ، وقيل التقدير وافعلوا الخير كفعل أبيكم إبراهيم فأقام الملة مقام الفعل وقيل النصب على الاغراء وقيل على الاختصاص أي اعني بالدين ملة أبيكم ،