تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
الَّذِي أَحْياكُمْ
بعد أن كنتم جمادا ، بل لم تكونوا شيئا
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
عند انقضاء أعماركم
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
عند البعث للحساب والعقاب
إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ
أي لكثير الجحود لنعم اللّه عليه مع كونها ظاهرة غير مستترة ولا ينافي هذا خروج بعض الأفراد عن هذا الجحد ، لأن المراد وصف جميع الجنس بوصف من يوجد فيه ذلك من أفراده مبالغة وعن الحسن في قوله
لَكَفُورٌ
، قال : يعد المصيبات وينسى النعم . ثم عاد سبحانه إلى بيان أمر التكاليف مع الزجر لمعاصري رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم من أهل الأديان عن منازعته فقال :
لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً
أي لكل قرن من القرون الماضية والباقية وضعنا شريعة خاصة بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها إلى شريعة أخرى ؛ لا استقلالا ولا اشتراكا . وقيل عيدا . وقيل موضع قربان يذبحون فيه . وقيل موضع عبادة .
هُمْ ناسِكُوهُ
الضمير لكل أمة ، أي تلك الأمة هي العاملة به لا غيرها ، فكانت التوراة منسك الأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى ، والإنجيل منسك الأمة التي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ والقرآن منسك المسلمين إلى يوم القيامة ، والمنسك مصدر لا اسم مكان كما يدل عليه هم ناسكوه ، ولم يقل ناسكون فيه . وقيل هو الذبائح ولا وجه للتخصيص ولا اعتبار بخصوص السبب .
فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ
الفاء لترتيب النهي على ما قبله والضمير راجع إلى الأمم الباقية آثارهم . يعني قد عينا لكل أمة شريعة ، ومن جملة الأمم هذه الأمة المحمدية وذلك موجب لعدم منازعة من بقي منهم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومستلزم لطاعتهم إياه في أمر الدين ، والنهي إما على حقيقته أو كناية عن نهيه عن الالتفات إلى نزاعهم له . قال الزجاج : إنه نهي له صلّى اللّه عليه وسلّم عن منازعتهم ، أي لا تنازعهم أنت كما تقول لا يخاصمك فلان ، أي لا تخاصمه ، وكما تقول لا يضاربنك فلان ، أي لا تضاربه ، وذلك أن المفاعلة تقتضي العكس ضمنا ، ولا يجوز لا يضربنك فلان وأنت تريد لا تضربه . وحكي عن الزجاج أنه قال في معنى الآية : فلا ينازعنك ، أي فلا يجادلنك ؛ قال ودل على هذا وإن جادلوك . وقرىء فلا ينزعنك في الأمر أي لا يستخفنك ولا يغلبنك عن دينك . وقرأ الجمهور فلا ينازعنك من المنازعة كما تقدم . وقال ابن عباس : هم ناسكوه أي ذابحوه فلا ينازعنك في الأمر أي في الذبح ، وعن عكرمة ومجاهد نحوه ، وعن مجاهد قال : قول أهل الشرك ، أما ما ذبح اللّه بيمينه فلا تأكلوه ، وأما ما ذبحتم بأيديكم فهو حلال .
وَادْعُ
هؤلاء المنازعين أو ادع الناس على العموم
إِلى
دين
رَبِّكَ
وتوحيده والإيمان به
إِنَّكَ لَعَلى هُدىً
أي طريق
مُسْتَقِيمٍ
لا اعوجاج فيه
وَإِنْ