تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
قال النحاس : المعنى ضرب اللّه عز وجل لما يعبدونه من دونه مثلا ، قال : وهذا من أحسن ما قيل فيه أي بين اللّه لكم شبها ولمعبودكم ، وقال القتيبي : معنى ضرب مثل أي عبدت آلهة لم تستطع أن تخلق ذبابا ، وأصل المثل جملة من الكلام متلقاة بالرضاء والقبول مسيرة في الناس مستغربة عندهم وجعلوا مضربها مثلا لموردها ، ثم قد يستعيرونها للقصة أو الحالة أو الصفة المستغربة لكونها مماثلة لها في الغرابة كهذه القصة المذكورة في هذه الآية .
فَاسْتَمِعُوا لَهُ
أي لضرب هذا المثل وتدبروه حق تدبره ، فإن الاستماع بلا تدبر وتعقل لا ينفع ، والمعنى أن الكفار جعلوا للّه مثلا لعبادتهم غيره فكأنه قال : جعلوا لي شبيها في عبادتي فاستمعوا خبر هذا الشبه ، ثم بين حالها وصفتها فقال :
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
المراد بهم الأصنام التي كانت حول الكعبة وغيرها ، وقيل المراد بهم السادة الذين صرفوهم عن طاعة اللّه ، لكونهم أهل الحل والعقد فيهم ؛ وقيل الشياطين الذين حملوهم على معصية اللّه ، والأول أوفق بالمقام وأظهر في التمثيل .
لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً
واحدا مع ضعفه وصغره وقلته وهو اسم للواحد يطلق على الذكر والأنثى وجمع القلة إذبة والكثرة ذبان بالكسر مثل غراب وأغربة وغربان وبالضم كقضبان . وقال الجوهري : الذباب معروف ، الواحد ذبابة ، وسمي ذبابا لأنه كلما ذب لاستقذاره آب لاستكباره و
لَنْ
لتأكيد النفي المستقبل وتأكيده هنا للدلالة على أن خلق الذباب منهم مستحيل ، كأنه قال : محال أن يخلقوا . وتخصيص الذباب لمهانته واستقذاره ، والمعنى لن يقدروا على خلقه مع كونه صغير الجسم حقير الذات وهو أجهل الحيوانات ، لأنه يرمي نفسه في المهلكات ، ومدة عيشه أربعون يوما ، وأصل خلقته من العفونات ثم يتوالد بعضه من بعض يقع روثه على الشيء الأبيض فيرى أسود ، وعلى الأسود فيرى أبيض .
وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ
أي لخلق الذباب ، والتقدير لن يخلقوه على كل حال ، ولو في هذه الحالة المقتضية لجمعهم ، فكأنه تعالى قال : إن هذه الأصنام إن اجتمعت لا تقدر على خلق ذبابة على ضعفها فكيف يليق بالعاقل جعلها معبودا كما أشار إليه في التقرير ، ثم بين سبحانه كمال عجزهم وضعف قدرتهم فقال :
وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ
أي إذا أخذ واختطف منهم هذا الخلق الأقل الأرذل شيئا من الأشياء بسرعة لا يقدرون على تخليصه منه ؛ لكمال عزهم وفرط ضعفهم ، والاستنقاذ والانقاذ التخليص ، وإذا عجزوا عن خلق هذا
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 496 | صديق الحسيني القنوجي البخاري