تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
البيضاوي : قادر على تقليب الأمور بعضها على بعض ، جارية عادته على المداولة بين الأشياء المتعاندة ، وعبر عن الزيادة بالإيلاج لأن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر . وقيل يجعل ظلمة الليل مكان ضياء النهار ، وذلك بغيبوبة الشمس ، ويجعل ضياء النهار مكان ظلمة الليل بطلوع الشمس ، فالمراد تحصيل أحد العرضين في محل الآخر ، وقد مضى في آل عمران معنى هذا الإيلاج .
وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
يسمع كل مسموع لا يشغله سمع عن سمع
بَصِيرٌ
يبصر كل مبصر ، أو سميع للأقوال وإن اختلفت في النهار الأصوات بفنون اللغات ، بصير بما يفعلون لا يستتر عنه شيء بشيء في الليالي وإن توالت الظلمات فلا يعزب عنه مثقال ذرة
ذلِكَ
إشارة إلى ما تقدم من اتصافه سبحانه بكمال القدرة الباهرة والعلم التام
بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ
أي هو سبحانه ذو الحق فدينه حق وعبادته حق ونصره لأوليائه على أعدائه حق ووعده حق ، فهو عز وجل في نفسه وأفعاله وصفاته كلها حق .
وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ
قرىء بالفوقية على الخطاب للمشركين وبالتحتية على الخبر وهما سبعيتان ، والمعنى أن الذي يدعونه إلها وهي الأصنام هو الباطل الذي لا ثبوت له ولا لكونه إلها ، أي المعدوم في حد ذاته والباطل ألوهيته ، والباطل الزائل . وقال مجاهد : الباطل هنا الشيطان
وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ
أي العالي على كل شيء بقدرته وذاته ، المتقدس عن الأشباه والأنداد المتصف بصفات الكمال المتنزه عما يقوله الظالمون والمعطلون
الْكَبِيرُ
أي ذو الكبرياء الذي يصغر كل شيء سواه ، هو عبارة عن كمال ذاته وعظيم قدرته وسلطانه وتفرده بالإلهية ، ثم ذكر سبحانه دليلا بينا على كمال قدرته فقال :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
الاستفهام للتقرير كما قاله الخليل وسيبويه ، قال الخليل : المعنى ألم تعلم أنه أنزل من السماء مطرا فكان كذا وكذا ، ذكر هنا ستة أشياء أولها إنزال الماء الناشئ منه اخضرار الأرض كما قال :
فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً
قال الفراء : أي ذات خضرة كما تقول مبقلة ومسبعة ، أي ذات بقل وسباع وهو عبارة عن استعجالها إثر نزول الماء بالنبات واستمرارها كذلك عادة . وصيغة الاستقبال لاستحضار صورة الاخضرار مع الاشعار بتجدد الانزال واستمراره . وهذا المعنى لا يحصل إلا بالمستقبل ، والرفع هنا متعين لأنه لو نصب لانعكس المعنى المقصود من الآية فينقلب إلى نفي الاخضرار ، والمقصود إثباته . قال ابن عطية : هذا لا يكون بعد الاخضرار في صباح ليلة المطر إلا بمكة وتهامة ، والظاهر أن المراد بالاخضرار اخضرار الأرض في نفسها ، لا باعتبار النبات
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 491 | صديق الحسيني القنوجي البخاري