وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أفرد سبحانه المهاجرين بالذكر تخصيصا لهم بمزيد الشرف وتفخيما لشأنهم ، قال بعض المفسرين : هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة ، وقال بعضهم : الذين هاجروا من الأوطان في سرية أو عسكر ولا يبعد حمل ذلك على الأمرين ، والكل في سبيل اللّه وطاعته .
ثُمَّ قُتِلُوا
وقرىء مشددا على التكثير
أَوْ ماتُوا
في حال المهاجرة
لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ
جواب قسم محذوف
رِزْقاً
أي مرزوقا
حَسَناً
أو مصدر مؤكد وفيه دليل على وقوع الجملة القسمية خبرا للمبتدأ ومن يمنعه ، فقوله مرجوح والرزق الحسن هو نعيم الجنة الذي لا ينقطع ، وقيل هو الغنيمة لأنه حلال ، وقيل هو العلم والفهم كقول شعيب :
وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً
[ هود : 88 ] ، والتسوية في الوعد بالرزق لا يدل على تفضيل في قدر المعطي ولا تسوية ، فإن يكن تفضيل فمن دليل آخر ، والمقرر في كتب الفروع أن المقتول أفضل لأنه شهيد .
وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن سلمان الفارسي أنه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « من مات مرابطا أجرى اللّه عليه مثل ذلك الأجر وأجرى عليه الرزق وأمن من الفتانين ، اقرأوا إن شئتم
وَالَّذِينَ هاجَرُوا
- إلى قوله -
حَلِيمٌ
.
قلت : ويؤيد هذا قوله سبحانه :
وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
[ النساء : 100 ] .
وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
أي أفضلهم فإنه سبحانه يرزق بغير حساب بمحض الإحسان ، وكل رزق يجري على يد العباد بعضهم لبعض فهو منه سبحانه لا رازق سواه ولا معطي غيره ، والجملة تذييل مقررة لما قبلها .
ولما ذكر الرزق أعقبه بذكر المسكن بقوله :
لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ
مستأنفة أو بدل من جملة ليرزقنهم اللّه ، قرىء مدخلا بفتح الميم وبضمها وهو اسم مكان أريد به الجنة أو مصدر ميمي مؤكد للفعل المذكور ، وقد مضى الكلام على مثل هذا في سورة سبحان ، وفي هذا من الامتنان عليهم والتبشير لهم ما لا يقادر قدره ، فإن المدخل الذي يرضونه هو الأوفق لنفوسهم والأقرب إلى مطلبهم على أنهم يرون في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وذلك هو الذي يرضونه وفوق الرضا .
وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ
بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم . وقيل بأحوال من قضى نحبه مجاهدا ، وآمال من مات وهو ينتظر معاهدا
حَلِيمٌ
عن تفريط المفرطين منهم بإمهال من قاتلهم معاندا لا يعالجهم بالعقوبة .
[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 60 إلى 64 ]
ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ( 60 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 61 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( 62 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 63 ) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 64 )