يَعْقِلُونَ بِها
ما يجب أن يعقل من التوحيد ونحوه ، والعقل هنا بمعنى العلم ، والمعنى أنهم بسبب ما شاهدوا من العبر تكون لهم قلوب يعقلون بها ما يجب أن يتعقلوه ؛ وأسند التعقل إلى القلوب لأنها محل العقل كما أن الآذان محل السمع وقيل إن العقل محله الدماغ ، ولا مانع من ذلك فإن القلب هو الذي يبعث على إدراك العقل وإن كان محله خارجا عنه . وقد اختلف علماء العقول في محل العقل وماهيته اختلافا كثيرا لا حاجة إلى التطويل بذكره .
أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها
ما يجب أن يسمعوه مما تلاه عليهم أنبياؤهم من كلام اللّه ، وما نقله أهل الأخبار إليهم من أخبار الأمم المهلكة وما نزل بالمكذبين
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ
قال الفراء : الهاء عماد ، يجوز أن يقال فإنه وهي قراءة ابن مسعود والمعنى واحد ، التذكير على الخبر والتأنيث على الأبصار ، أو القصة أي فإن الأبصار لا تعمى ، أو فإن القصة لا تعمى الأبصار ، أي أبصار العيون
وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
أي ليس الخلل في مشاعرهم ، وإنما أصابت الآفة عقولهم باتباع الهوى والانهماك في التقليد ، أي لا تدرك عقولهم مواطن الحق ومواضع الاعتبار .
قال الفراء والزجاج : إن قوله التي في الصدور من التوكيد الذي تزيده العرب في الكلام ، كقوله عشرة كاملة ، ويقولون بأفواههم ويطير بجناحيه ،
ثم حكى سبحانه عن هؤلاء ما كانوا عليه من التكذيب والاستهزاء فقال :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ
أي يطلبون عجلتك
بِالْعَذابِ
لأنهم كانوا منكرين لمجيئه أشد انكار ، فاستعجالهم له هو على طريقة الاستهزاء والسخرية ، وكأنهم كانوا يقولون ذلك عند سماعهم لما يقوله الأنبياء عن اللّه سبحانه من الوعد منه عز وجل بوقوعه عليهم وحلوله بهم ، ولهذا قال :
وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ
قال الفراء : في هذه الآية وعيد لهم بالعذاب في الدنيا والآخرة . وذكر الزجاج وجها آخر فقال : اعلم أن اللّه لا يفوته شيء ، وأن يوما عنده وألف سنة في قدرته واحد ، ولا فرق بين وقوع ما يستعجلون به من العذاب وتأخره في القدرة ، ألا أن اللّه تفضل بالامهال انتهى .
والمعنى والحال أنه لا يخلف وعدا أبدا ، وقد سبق الوعد فلا بد من مجيئه حتما أو الجملة اعتراضية مبينة لما قبلها . قال المحلي : أنجزه يوم بدر ، أي أنزل العذاب بهم في الدنيا فقتل منهم سبعون وأسر منهم سبعون .
وَإِنَّ يَوْماً
من أيام عذابهم
عِنْدَ رَبِّكَ
في الآخرة
كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
أي من سني الدنيا ، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان حالهم في الاستعجال وخطابهم في ذلك لبيان كمال حكمه لكون المدة القصيرة عنده كالمدة الطويلة عندهم كما في قوله :