تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 485

مساهمون:

ص٤٨٥
الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ
[ الحاقة : 44 - 46 ] ، وقوله :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
[ النجم : 3 ] . وقوله :
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ
[ الإسراء : 74 ] فنفى المقاربة للركون فضلا عن الركون . قال البزار : هذا حديث لا نعلمه يروى عن النبي ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) بإسناد متصل . وقال البيهقي : هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ، ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم . وقال إمام الأئمة ابن خزيمة : إن هذه القصة من وضع الزنادقة ، قال القاضي عياض في الشفاء : إن الأمة أجمعت - فيما طريقه البلاغ - أنه معصوم فيه من الاخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه قصدا ولا عمدا ولا سهوا ولا غلطا . قال الرازي : هذه القصة باطلة موضوعة ، لا يجوز القول بها ، قال تعالى :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
[ النجم : 3 ، 4 ] وقال تعالى :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
[ الأعلى : 6 ] ولا شك أن من جوز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر ، لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان ، ولو جوزنا ذلك لارتفع الأمان عن شرعه وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك أي مما ألقاه الشيطان على لسانه ، ويبطل قوله تعالى :
بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ
[ المائدة : 67 ] فإنه لا فرق عند العقل بين النقصان من الوحي وبين الزيادة فيه . فبهذه الوجوه النقلية والعقلية عرفنا على سبيل الاجمال أن هذه القصة موضوعة انتهى ملخصا ، قال ابن كثير : قد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق ، وما كان من رجوع كثير من المهاجرين إلى أرض الحبشة ظنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا ، ولكنها من طرق كلها مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح ، والحاصل أن جميع الروايات في هذا الباب إما مرسلة أو منقطعة لا تقوم الحجة بشيء منها ، وقد أسلفنا عن الحفاظ في هذا البحث ما فيه كفاية . وفي الباب روايات من أحب الوقوف على جميعها فلينظرها في الدر المنثور للسيوطي ، ولا يأتي التطويل بذكرها هنا بفائدة فقد عرّفناك أنها جميعها لا تقوم بها الحجة ، لأنه لم يروها أحد من أهل الصحة ، ولا أسندها ثقة بسند صحيح ، أو سليم متصل ، وإنما رواها المفسرون ، والمؤرخون المولعون بكل غريب ؛ الملفقون من الصحف كل صحيح وسقيم ، وقد دل على ضعف هذه القصة اضطراب رواتها وانقطاع سندها واختلاف ألفاظها .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 485 | صديق الحسيني القنوجي البخاري