تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ
مبتدأة مؤكدة لما قبلها من الأمر بالاجتناب ، والغرض بهذا ضرب المثل لمن يشرك باللّه ، والمعنى أن بعد من أشرك به عن الحق والإيمان
فَكَأَنَّما خَرَّ
أي كبعد من سقط
مِنَ السَّماءِ
إلى الأرض ، أي انحط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر .
فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ
يقال خطفه يخطفه إذا سلبه ، ومنه قوله :
يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ
[ البقرة : 20 ] أي تخطف لحمه وتسلبه وتقطعه بمخالبها وتذهب به ، وقرىء بتشديد الطاء وفتحها وبكسر الخاء والطاء وبكسر التاء مع كسرهما .
أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ
أي تقذفه وترمي به
فِي مَكانٍ سَحِيقٍ
يقال سحق يسحق سحقا فهو سحيق إذا بعد ، أي بعيد فلا يصل إليه أحد بحال ، قاله الزجاج وقيل شبه حال المشرك بحال الهاوي من السماء لأنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع حيث تسقطه الريح ، فهو هالك لا محالة ، إما باستلاب الطير لحمه أو بسقوطه في المكان السحيق . قال الزمخشري : يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق ، فإن كان تشبيها مركبا فكأنه قال : من أشرك باللّه فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعده هلاك ، بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير متفرقا موزعا في حواصلها ، وعصفت به الريح حتى هوت به في بعض الأماكن البعيدة وإن كان مفرقا ، فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء ، والذي ترك الإيمان وأشرك باللّه بالساقط من السماء والإهواء المردية بالطير المختطفة ، والشيطان الموقع في الضلال بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة .
ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ
جمع شعيرة أو شعارة بالكسر بوزن قلادة وهي كل شيء فيه للّه شعار ، ومنه شعار القوم في الحرب وهو علامتهم التي يتعارفون بها ، ومنه إشعار البدن وهو الطعن في جانبها الأيمن ، فشعائر اللّه أعلام دينه ، وتدخل فيها الهدايا في الحج دخولا أوليا . وعن ابن عباس في الآية قال : الشعائر البدن والاستسمان والاستحسان والاستعظام وينبغي للإنسان أن يترك المشاحة في ثمنها . روي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب ، وأن عمر أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار .
فَإِنَّها
الضمير يرجع إلى الشعائر بتقدير مضاف محذوف ، أي فإن تعظيم الشعائر
مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ
أي مبتدأ وناشىء من أفعال القلوب التي هي من التقوى ، وإنما ذكر القلوب لأنها مراكز التقوى
لَكُمْ فِيها
أي في الشعائر على العموم أو على الخصوص وهي البدن كما يدل عليه السياق واجبة أو مندوبة .