وقال ابن عباس : يقول اجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان
وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ
الذي هو الباطل وسمي زورا لأنه مائل عن الحق ، ومنه قوله تعالى :
تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ
[ الكهف : 17 ] وقوله : « مدينة زوراء » أي مائلة ، والمراد هنا قول الزور على العموم فهو تعميم بعد تخصيص ، فإن عبادة الأوثان رأس الزور ، والمشرك زاعم أن الوثن تحق له العبادة فأعظمه الشرك باللّه بأي لفظ كان .
وقال الزجاج : المراد هنا تحليلهم بعض الأنعام وتحريمهم بعضها ، وقولهم :
هذا حلال وهذا حرام ، وقيل المراد به شهادة الزور ، وقال ابن عباس : يعني الافتراء على اللّه والتكذيب به وقيل هو قول المشركين في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك .
أخرج أحمد والترمذي وابن المنذر وغيرهم عن أيمن بن خريم قال : قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خطيبا فقال : « يا أيها الناس عدلت شهادة الزور شركا باللّه ثلاثا ، ثم قرأ هذه الآية » « 1 » ، قال أحمد : غريب ولا نعرف لأيمن بن حريم سماعا من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي بكرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي بكرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ ثلاثا ، قلنا بلى يا رسول اللّه ، قال الإشراك باللّه ، وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال وقول الزور ألا وشهادة الزور ، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت » « 2 » .
[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 31 إلى 34 ]
حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ ( 31 ) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ( 32 ) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ( 33 ) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ( 34 )
حُنَفاءَ لِلَّهِ
أي مستقيمين على الحق أو مائلين إلى الحق مسلمين عادلين عن كل دين سوى دينه ، ولفظ حنفاء من الأضداد يقع على الاستقامة ، ويقع على الميل ، وقيل معناه حجاجا قاله ابن عباس .
وعن أبي بكر الصديق نحوه ولا وجه لهذا
غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ
شيئا من الأشياء كما يفيده الحذف من العموم تأكيد لما قبله ، وهما حالان من الواو في اجتنبوا ، والأولى مؤسسة ، والثانية مؤكدة ، قيل إن أهل الجاهلية كانوا يحجون مشركين ، فلما أظهر اللّه الإسلام قال اللّه للمسلمين : حجوا الآن غير مشركين به .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في الشهادات باب 3 ، وأحمد في المسند 4 / 178 ، 233 ، 321 .
( 2 ) أخرجه البخاري في العلم باب 30 ، والشهادات باب 10 ، والديات باب 2 ، ومسلم في الإيمان حديث 143 ، 158 ، 159 ، وأحمد في المسند 5 / 37 ، 38 .