تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
يوصف به المتكبر ، قال ابن عباس : أي مستكبرا في نفسه ، وقال المبرّد : العطف من انثنى من العنق . الوجه الثاني : أنّ المراد بقوله :
ثانِيَ عِطْفِهِ
الإعراض أي معرضا عن الذكر كذا قال الفرّاء والمفضّل وغيرهما كقوله تعالى :
وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها
[ لقمان : 7 ] وقوله :
لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ
[ المنافقون : 5 ] وقوله :
أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ
[ الإسراء : 83 ] وقيل المعنى مانع تعطفه إلى غيره .
لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
أي ليستمر أو ليزيد ضلاله ، وإن ضلاله كالغرض له لكونه مآله ، قرىء ليضل بفتح الياء وضمها والسبيل هنا الدين ، يعني أن غرضه هو الإضلال عن السبيل وإن لم يعترف بذلك ، وقيل هي لام العاقبة كأنه جعل ضلاله عائدا لجداله
لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ
مستأنفة مبينة لما يحصل له بسبب جداله من العقوبة والخزي والذل ، وذلك بما يناله من العقوبة في الدنيا ومن العذاب المعجل ، وسوء الذكر على ألسن الناس ، وقيل الخزي الدنيوي هو القتل كما وقع في يوم بدر .
وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ
أي عذاب النار المحرقة ، ثم يقال له
ذلِكَ
أي ما تقدم من العذاب الدنيوي والأخروي
بِما قَدَّمَتْ يَداكَ
من الكفر والمعاصي والباء للسببية ، وعبر باليد عن جملة البدن لكون مباشرة المعاصي تكون بها في الغالب ، وفي غير هذه السورة أيديكم لأن هذه الآية نزلت في أبي جهل وحده وفي غيرها نزلت في جماعة تقدم ذكرهم .
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ
أي بذي ظلم
لِلْعَبِيدِ
أي والأمر أنه سبحانه لا يعذب عباده بغير ذنب . وقد مرّ الكلام على هذه الآية في آخر آل عمران فلا نعيده
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ
هذا بيان لشقاق أهل الشقاق . قال أكثر المفسرين الحرف الشك . وأصله من حرف الشيء أي طرفه . مثل حرف الجبل والحائط فإن القائم عليه غير مستقر . والذي يعبد اللّه على حرف قلق في دينه على غير ثبات وطمأنينة كالذي هو على حرف الجبل ونحوه يضطرب اضطرابا ويضعف قيامه . فقيل للشاك في دينه إنه يعبد اللّه على حرف . أي متزلزلا لأنه على غير يقين من وعده ووعيده بخلاف المؤمن لأنه يعبده على يقين وبصيرة فلم يكن على حرف . ففي الآية استعارة تمثيلية . وقيل الحرف الشرط . والشرط هو قوله :
فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ
دنيوي من رخاء وصحة وعافية وسلامة وخصب وكثرة مال
اطْمَأَنَّ بِهِ
أي ثبت على دينه واستمر على عبادته أو اطمأن قلبه بذلك الخير الذي أصابه وسكن إليه
وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ
أي شيء يفتتن به من مكروه يصيبه في أهله وماله أو نفسه ومعيشته كالجدب والمرض وسائر المحن .