تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
نثبت
فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ
فلا يكون سقطا ، ولم يقل من نشاء لأنه يرجع إلى الحمل وهو جماد قبل أن ينفح فيه الروح ، وقرىء ما نشاء بكسر النون
إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
وهو وقت الولادة
ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ
من بطون أمهاتكم
طِفْلًا
أي أطفالا وإنما أفرده إرادة للجنس الشامل للواحد والمتعدد . قال الزجاج : طفلا في معنى أطفالا ، ودل عليه ذكر الجماعة ، يعني في
نُخْرِجُكُمْ
والعرب كثيرا ما تطلق اسم الواحد على الجماعة ، والمعنى نخرج كل واحد منكم نحو القوم يشبعهم رغيف أي كل واحد منهم . وقال المبرّد : هو اسم يستعمل مصدرا كالرضا والعدل ، فيقع على الواحد ، والجمع قال اللّه تعالى :
أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا
[ النور : 31 ] ؛ ثم قيل نصبه على التمييز ، قاله ابن جرير وفيه بعد ، والظاهر أنه على الحال والطفل يطلق على الولد الصغير من وقت انفصاله إلى البلوغ ، وأما الطفل بالفتح فهو الناعم والمرأة طفلة .
ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ
كأنه قيل نخرجكم لتكبروا شيئا فشيئا ، ثم لتبلغوا إلى الأشد ، وقيل إن ثم زائدة ، والأشد هو كمال العقل ، وكمال القوة والتمييز ؛ قيل وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين ، وهو في الأصل جمع شدة كأنعم جمع نعمة ، وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى في الأنعام
وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى
أي يموت قبل بلوغ الأشد الكبر ، وقرىء مبنيا للفاعل أيضا .
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ
أي أخسّه وأدونه وهو الهرم والخرف وهو خمس وسبعون سنة قاله علي ، وقيل ثمانون سنة ، وقال قتادة : تسعون سنة حتى لا يعقل ، ولهذا قال سبحانه
لِكَيْلا يَعْلَمَ
أي يعقل
مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ
أي بعد عقله الأول
شَيْئاً
من الأشياء أو شيئا من العلم ، والمعنى أنه يصير من بعد أن كان ذا علم بالأشياء وفهم لها لا علم له ولا فهم كهيئته الأولى في أوان الطفولية من سخافة الرأي وقلة الفقه والعقل والفهم فينسى ما يعلمه ، وينكر ما يعرفه ، ومثله قوله تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
[ التين : 4 ، 5 ] وقوله :
وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ
[ يس : 68 ] قال عكرمة : من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة أي فهذا الردّ والنكس خاص بغير قارىء القرآن والعلماء ، وأما هؤلاء فلا يردّون في آخر عمرهم إلى الأرذل بل يزداد عقلهم كلما طال عمرهم .
وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً
هذه حجة أخرى على البعث فإنّه سبحانه احتج بإحياء الأرض بإنزال الماء على إحياء الأموات ، والهامدة اليابسة التي لا تنبت شيئا ، قال ابن قتيبة : أي ميتة يابسة كالنار إذا طفئت ، وقيل دارسة ، والهمود السكون والخشوع والدروس ، وقيل هي التي ذهب عنها الندى ؛ وقيل هالكة ، ومعاني هذه الأقوال متقاربة .